
سهيبه مريش
إن التاريخ البشري مليء بالشواهد التي تؤكد أن العزيمة والإصرار هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق أسمى الطموحات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنضال من أجل التحرر وإعادة بناء الذات بعد أيام من القمع والتهميش. في سياق التطورات الأخيرة في السودان، تبرز عملية بسط قوات تأسيس لسيطرتها الكاملة على منطقة بارا الاستراتيجية في شمال كردفان كنموذج ساطع لهذا المبدأ. إن استعادة هذه المنطقة الحيوية لا يمثل مجرد انتصار عسكري تكتيكي، بل هو إعلان مدوٍ عن إرادة أهل الهامش في إحداث التغيير الجذري والتحرر من قبضة كيانات مصيرها الزوال.
تمثل بارا نقطة ارتكاز جغرافية ولوجستية بالغة الأهمية في المشهد السوداني، والسيطرة عليها تفتح آفاقًا واسعة لتحرير مناطق أخرى كانت تعاني تحت وطأة النظام السابق والتنظيمات التي استغلت حالة الضعف لفرض هيمنتها. لقد أثبتت مجريات الميدان، بكل وضوح، أن هناك تقدمًا ملحوظًا لقوات التأسيس، وهو تقدم تزامن مع الانهيار المتسارع لما يسمى بـ الإرهابيين وكتائبهم. هذا الانهيار ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم سنوات من المقاومة الشعبية والصمود في وجه آلة القمع التي اعتمدت على التخويف والتفتيت.
إن إعادة تحرير بارا، التي يشار إليها كحدث يتكرر في سياق النضال، يؤكد بشكل قاطع أن عزيمة وإصرار أبناء الهامش قد تجاوزت كل الحواجز المادية والمعنوية. هؤلاء السكان، الذين طالما عانوا من التهميش الاقتصادي والسياسي، يرفضون اليوم أن يكونوا مجرد هامش في وطنهم. إنهم يقاتلون ليس فقط لاستعادة الأرض، بل لاستعادة الكرامة والهوية التي سُحقت على مدى عقود. هذا الإصرار المتجذر في واقع المعاناة هو الوقود الحقيقي لأي تغيير حقيقي ومستدام.
يمكن النظر إلى هذه المعركة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حرب المصير تلك المواجهة الحاسمة التي لا تقبل القسمة على اثنين. إن حرب الخامس عشر، هي حرب مفصلية، هي معركة بين مشروعين متناقضين تمامًا: مشروع الاستمرار في الإقصاء والسيطرة باسم الأيديولوجيا، ومشروع بناء دولة المواطنة التي يشعر فيها الجميع بالانتماء والمشاركة. نجاح قوات التأسيس في بسط نفوذها هو دليل على أن المشروع الثاني يكتسب زخمًا لا يمكن إيقافه.
إن الانهيار الذي يشهده الخصوم ليس انهيارًا عسكريًا فحسب، بل هو أيضًا تفكك عقائدي وأخلاقي. فالأنظمة التي ترتكز على الإرهاب والتخويف، بغض النظر عن مدى قوتها الظاهرية، تفتقر إلى الشرعية الشعبية والقاعدة الصلبة التي تستمد منها القوات الوطنية شرعيتها وقدرتها على الاستمرار. في المقابل، فإن قوات التأسيس، التي تمثل نبض الشارع وتطلعات الملايين، تجد الدعم المعنوي والمادي من المجتمعات المحلية التي تتوق إلى الأمن والاستقرار وبناء المستقبل.
الانتصار في بارا هو بمثابة بشرى لأهل السودان عمومًا، ولأهل الهامش خصوصًا. إنها بشرى تعني أن الطريق أصبح ممهدًا نحو استعادة الحقوق المسلوبة. فكل منطقة يتم تحريرها هي خطوة نحو تفكيك شبكة السيطرة التي نسجتها الحركة الإسلامية الإرهابية على مفاصل الدولة والمجتمع. هذه الجماعات، التي استغلت الدين لتبرير الاستبداد، تجد نفسها الآن محاصرة ومواجهة بقوة شعبية موحدة العزيمة.
إن الإصرار الظاهر في الميدان يعكس فهمًا عميقًا للأهمية الاستراتيجية للمرحلة الراهنة. فالهامش لم يعد مستعدًا لقبول وعود مؤجلة أو حلول ترقيعية. إن النضال الحالي هو صراع وجودي يهدف إلى دمج الهامش كشريك أساسي في قرار الدولة وصنع مستقبلها. عندما تتحدث القوات عن فتح الطريق لتحرير مناطق أخرى، فإنها لا تتحدث عن توسع جغرافي عابر، بل عن بناء شبكة أمان جديدة للمواطنين الذين كانوا دائمًا في مرمى الخطر.
وعلى صعيد بناء الدولة، فإن هذه الانتصارات تضع الأساس لعملية ديمقراطية حقيقية ومستدامة. فالحرية الفعلية لا تتحقق إلا بتحرير الأرض من سطوة القوى التي تعيق التنمية والعدالة الاجتماعية. إن القضاء على هذه الكيانات يسمح ببدء مرحلة جديدة تركز على إعادة الإعمار، وتوفير الخدمات، وإشراك كافة المكونات الاجتماعية في إدارة الشأن العام. هذا هو الطموح الأسمى الذي يغذيه الإصرار الحالي.
في الختام، يمكن القول إن تحرير بارا هو فصل مهم في مسيرة التغيير الشامل في السودان. إنه يجسد المقولة القائلة بأن الإرادة الصلبة لأمة تسعى للتحرر قادرة على تحطيم أعتى قوى القمع. إن العزيمة التي أظهرها أهل الهامش في مواجهة التحديات الهائلة، والتقدم الملحوظ الذي تحقق في ظل انهيار التنظيمات المتطرفة، يبشرون بقدوم فجر جديد. هذه الحرب المصيرية ستظل محفورة في الذاكرة كدليل على أن الإصرار على الحق والعدالة هو القوة القادرة على تحقيق المستحيل، وأن البشريات الحقيقية لأهل السودان قادمة لا محالة مع كل شبر يتم استرداده من براثن الظلام.




