رأي

دم العيد في الضعين

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يكن صباح عيد الفطر في الضعين أمس يوم فرح، بل يومًا كُتب فيه الألم بمداد الدم،في لحظةٍ كان يفترض أن تُستقبل فيها الحياة داخل غرف العمليات، تحوّلت مستشفى الضعين إلى مسرحٍ للموت، حيث قُتلت نساء وهنّ على أسرّة العمليات القيصرية، وقُطعت أنفاس أطفال قبل أن يروا نور الدنيا، وسقط مواطنون عُزّل تحت قصفٍ لا يميّز بين هدفٍ عسكري وإنسانٍ بريء.

أي حربٍ هذه التي تُوجّه نيرانها إلى بطون الأمهات؟أي منطقٍ يبرّر قصف مستشفى، وهو المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذًا للحياة لا مقبرة جماعية؟

ليست مستشفى الضعين وحدها،ففي الفاشر، إمتد القصف إلى الأسواق، حيث لا مقاتلين، بل أناس يبحثون عن لقمة عيشهم في زمن الجوع والخوف.

المشهد يتكرر، لكن الرسالة واحدة: هذه الحرب لم تعد حرب مواقع أو جبهات، بل تحوّلت إلى عقاب جماعي يستهدف المدنيين في دارفور وكردفان.

منذ إندلاع حرب 15 أبريل في السودان، كان الصراع محصورًا في الخرطوم،و المدن الكبرى بين قوتين متقاتلتين، لكنه اليوم ينزلق إلى منحى أكثر ظلمة:

الإنتقام من الأطراف التي وصفوها عصابة بورتسودان بالحواضن، من القرى و الفرقان، و المجتمعات الهشّة التي لا تملك سوى الصبر.

إنه تحوّل خطير، يكشف عن سياسة تجويع وإبادة ممنهجة، تستهدف كسر الإنسان قبل حرق الأرض.

ما يحدث ليس مجرد “أخطاء حرب”، بل نمط متكرر من الإنتهاكات التي تضرب في صميم القانون الإنساني.

قصف المستشفيات، قتل المرضى، إستهداف الأسواق،

كلها أفعال تُصنّف كجرائم حرب و جرائم ابادة جماعية لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة.

الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يهدد النسيج الإجتماعي نفسه.

عندما تُستهدف المجتمعات الرعوية في كردفان ودارفور بالقتل والإفقار، فإننا لا نشهد فقط حربًا، بل عملية تفكيك ممنهجة لمجتمعات بأكملها، ودفعها نحو الفناء أو النزوح أو الإحتراب الداخلي.

الاكتفاء بالإدانة لم يعد كافيًا، كما أن الشجب لم يعد يوقف طائرة، ولا يحمي طفلًا، ولا يُنقذ إمرأة على سرير الولادة،تُقصف بمسيرات البرقدار التركية الصنع.

الضمير الإنساني اليوم أمام اختبار حقيقي،ليس فقط ضمير العالم، بل ضمير كل سوداني وسودانية.

المطلوب لم يعد كلمات، بل مواقف:ضغط حقيقي، توثيق للجرائم، تنظيم للصفوف، ورفض واضح لكل خطاب يبرر سفك الدماء أو يتغنى به.

المعركة لم تعد فقط ضد رصاصٍ يُطلق، بل ضد فكرة أن حياة بعض الناس يمكن أن تكون رخيصة.

في الضعين، لم يُقصف مبنى،بل قُصفت فكرة الحياة نفسها،وفي هذا العيد، لم يكن السؤال: من إنتصر؟

بل: كم خسرنا من إنسانيتنا؟

ولنا عودة بإذن الله

السبت،٢١مارس/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!