
نجم الدين دريسة
إرهابٌ على المكشوف: كيف تتحدى الجماعات المصنّفة العالم من قلب السودان؟
إذا غاب الردع، تمدد الخطر، وإذا صمت العالم تجاسر العنف.
في واحدة من أكثر صور المشهد السوداني إثارةً للقلق، يتبدى تناقض صارخ بين القرارات الدولية الصارمة والواقع الميداني المنفلت، حيث تواصل جماعات مصنفة إرهابياً الظهور العلني، والتحرك بحرية، وإطلاق خطابات التهديد والتحدي، وكأن شيئاً لم يتغير. هذه المفارقة لا تعكس فقط هشاشة أثر بعض القرارات الدولية حين تصطدم بالواقع المحلي، بل تكشف أيضاً عن عمق الأزمة التي يعيشها السودان، حيث تتداخل الأجندات السياسية مع التشكيلات المسلحة، ويتراجع منطق الدولة أمام تمدد الولاءات الأيديولوجية والعسكرية.
لقد مثّل تصنيف بعض الكيانات ذات الطابع العقائدي كجماعات إرهابية تحولاً مهماً في مستوى التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، لأنه حمل في جوهره رسالة واضحة مفادها أن العالم بدأ ينظر إلى بعض الفاعلين في الصراع بوصفهم خطراً يتجاوز حدود السودان، ويهدد الأمن والاستقرار في الإقليم بأسره. كما أن هذا التصنيف لم يكن مجرد موقف سياسي أو رمزي، بل يفترض أن يترتب عليه حصار مالي، وتجفيف لمصادر الدعم، وتضييق على شبكات الحركة والتجنيد والترويج الإعلامي.
غير أن ما حدث على الأرض كشف بسرعة أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود قرار دولي، بل بمدى القدرة على تحويله إلى وقائع عملية. فحين يظهر قادة أو عناصر ينتمون إلى كيانات موضوعة تحت طائلة التصنيف الإرهابي في مشاهد علنية، وهم يوجهون رسائل وعيد وتصعيد، فإن ذلك يبعث بإشارة خطيرة مفادها أن الردع لم يكتمل، وأن فجوة كبيرة لا تزال قائمة بين النصوص المعلنة وآليات التنفيذ الفعلية. وهذه الفجوة هي التي تمنح تلك الجماعات مساحة للاستمرار، بل وتغذي لديها إحساساً بأنها قادرة على تحدي المجتمع الدولي دون تكلفة فورية.
الأخطر من ذلك أن الظهور العلني لهذه الجماعات لا يقتصر على كونه نشاطاً إعلامياً أو خطابياً، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة. فهو يعني أن هناك بيئة ما تزال تسمح لهذا الحضور بالاستمرار، وأن شبكات الحماية أو التغاضي أو التواطؤ لم تُكسر بعد بصورة كاملة. كما أن هذا الظهور يوجه رسائل إلى الداخل قبل الخارج: رسائل إلى الأنصار بأن الجماعة لا تزال حاضرة ومتماسكة، ورسائل إلى الخصوم بأن التصنيف لم يفلح في عزلها أو شل حركتها، ورسائل إلى المجتمع الدولي بأن قراراته قد تكون محدودة الأثر إذا لم تسندها أدوات ضغط أكثر صرامة وفاعلية.
في المقابل، وجد قرار التصنيف ترحيباً واسعاً في أوساط مدنية وسياسية واجتماعية سودانية، رأت فيه خطوة طال انتظارها لمواجهة التطرف وتجفيف منابعه. فقد شعرت قطاعات واسعة من السودانيين أن هذه القرارات قد تمثل بداية لتحرك أكثر جدية ضد الجماعات التي غذّت خطاب الحرب، ووسعت دوائر الكراهية، وأسهمت في عسكرة المجال العام، سواء عبر التعبئة الأيديولوجية أو عبر الخطاب التحريضي أو من خلال الارتباط المباشر بمسارات العنف.
غير أن الرهان على القرارات وحدها يظل غير كافٍ. فالتجارب في مناطق نزاع عديدة أثبتت أن التصنيف الدولي، مهما كان مهماً، لا يحقق أهدافه تلقائياً، ما لم يقترن بمتابعة استخباراتية ومالية دقيقة، وتنسيق إقليمي واسع، وإجراءات قانونية صارمة، فضلاً عن إرادة داخلية واضحة في تفكيك البيئات التي تسمح لتلك الجماعات بالنمو والتغلغل. ومن دون ذلك، قد تتحول القرارات إلى مجرد عناوين قوية في الإعلام، بينما يبقى الواقع على حاله، أو يزداد تعقيداً.
إن استمرار الجماعات المصنفة إرهابياً في الظهور والحركة والخطاب التحريضي لا يهدد الأمن فقط، بل ينسف أيضاً فرص بناء دولة القانون والمؤسسات. فهو يعمق الاستقطاب، ويطيل أمد الحرب، ويزيد من هشاشة المجال السياسي، ويجعل المدنيين أكثر عرضة لدفع أثمان الصراع. كما أنه يبعث برسالة مقلقة مفادها أن السلاح والأيديولوجيا ما زالا يملكان قدرة أكبر على فرض الوقائع من القانون والشرعية الدولية.
في نهاية المطاف، لا يكفي أن يُقال إن جماعة ما صُنفت إرهابية، ما لم ينعكس ذلك على الأرض عزلاً وتجفيفاً ومحاسبةً وردعاً. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى قرارات تُدهش العناوين فقط، بل إلى أفعال تُعيد الاعتبار للدولة، وتحاصر التطرف، وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتحدي العالم من داخلها. هنا فقط يصبح التصنيف بداية حل، لا مجرد توصيف لأزمة تتفاقم.




