
فيصل أبكر شرف
حين تختلط السلطة بالخوف، تصبح الإنسانية أول الضحايا

في لحظات الانكشاف الكبرى، لا تسقط الأنظمة فقط، بل تسقط معها الأقنعة التي طالما أخفت وجوهًا قاسية خلف شعارات براقة. وما صدر مؤخرًا عن قيادة السلطة القائمة لم يكن مجرد تصريح عابر، بل مؤشر عميق على خلل بنيوي أصاب فكرة الدولة نفسها، حين تتماهى أدواتها مع منطق الصراع، وتبتعد عن جوهرها كحامية للمجتمع وخادمة لمصالحه.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع هو تسييس الفضاء الإنساني، وتحويله إلى امتداد للصراع. فعندما تُختزل المؤسسات الخدمية، وعلى رأسها القطاع الصحي، في أدوار تتجاوز وظيفتها المهنية، فإن ذلك لا يعني فقط تراجعًا أخلاقيًا، بل يمثل انزلاقًا نحو تفكيك الثقة التي يقوم عليها أي نظام اجتماعي سليم. فالطب، بطبيعته، مهنة تقوم على الحياد والرحمة، وأي مساس بهذه القيم يهدد أحد أهم أعمدة الاستقرار المجتمعي.
ولا يقف الأمر عند حدود المؤسسات الصحية، بل يمتد إلى بنية التعامل مع الموارد الحيوية، حيث تتحول الاحتياجات الأساسية—كالغذاء والدواء—من حقوق أصيلة إلى أدوات ضغط، تُستخدم في سياقات النزاع لتعزيز النفوذ أو فرض الإرادة. هذا النمط من التفكير لا يعكس فقط أزمة إدارة، بل يكشف عن رؤية ضيقة تختزل الدولة في سلطة، والمواطن في تابع.
إن تراكم هذه الممارسات، عبر سنوات طويلة، أسهم في تعميق الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وخلق بيئة هشّة يسهل فيها تفكك النسيج الاجتماعي. فحين يشعر المواطن بأن مؤسساته لم تعد محايدة، وأن حقوقه يمكن أن تُقيَّد وفق حسابات سياسية، تتآكل الثقة تدريجيًا، ويحل محلها القلق والارتياب. وفي ظل غياب العدالة، يصبح الاستقرار مجرد حالة مؤقتة، سرعان ما تتبدد عند أول اختبار حقيقي.
ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم أزماتها، بل بقدرتها على تجاوزها. فالأزمات الكبرى، على قسوتها، تفتح في أحيان كثيرة نافذة لإعادة التفكير في شكل الدولة ووظيفتها، وتدفع نحو البحث عن صيغ أكثر عدالة وشمولًا. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويؤسس لدولة تقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، واحترام كرامة الإنسان.
إن بناء مستقبل مختلف لا يتطلب فقط تغيير الأشخاص، بل تغيير النهج ذاته. نهج يعترف بأن التنوع قوة، وأن العدالة شرط للاستقرار، وأن الدولة لا يمكن أن تستمر إلا بثقة مواطنيها. هذه ليست شعارات مثالية، بل أسس عملية لأي تجربة ناجحة في الحكم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل هذه اللحظة الحرجة إلى نقطة بداية جديدة؟ الإجابة لا تكمن في الخطابات، بل في الأفعال. فحين تُستعاد إنسانية الدولة، ويُعاد الاعتبار للمواطن، يمكن حينها فقط الحديث عن وطن يتسع للجميع، لا ساحة صراع يدفع ثمنها الجميع.




