رأي

تأسيس في نظر المبعوث الأممي من واقع شعبي إلى حقيقة دولية

محمود كاربينو

محمود كاربينو
تصريحات مبعوث الأمم المتحدة الشخصي للأمين العام رمطان لعمامرة ، حول استعداده لمناقشة جهود السلام مع الأطراف السودانية بما في ذلك تحالف “تأسيس” الذي وُلد حديثاً ، تعكس تحولاً نوعياً في طبيعة النظرة الأممية للمشهد السوداني ، هذا الموقف يشي بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع التحولات العميقة التي فرضها الواقع على الأرض ، وأن “تأسيس” لم يعد مجرد تيار محلي أو مبادرة سياسية ، بل أصبح كياناً يحجز مكانه بين اللاعبين الأساسيين في مستقبل السودان.
إن عودة رمطان لعمامرة إلى الإقليم ليست مجرد جولة بروتوكولية ، بل خطوة سياسية ذات دلالات مهمة ، فالإقرار بضرورة الجلوس مع “تأسيس” يعكس قراءة متقدمة لما أحدثته هذه الحكومة من تغيير في معادلة القوة والشرعية ، لقد فرضت حكومة تأسيس وجودها عبر استنادها إلى حشود جماهيرية واسعة والتفاف شعبي نادر ، جعلها تتجاوز مرحلة التأسيس إلى طور الفعل السياسي والدبلوماسي ، الأمر الذي يدفع الفاعلين الدوليين إلى التعامل معها باعتبارها حقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها.
الرد المنتظر من حكومة تأسيس لا ينبغي أن يقتصر على الترحيب بمساعي الأمم المتحدة فحسب ، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى تثبيت سرديتها السياسية على المستوى الإقليمي والدولي ، فالمجتمع الدولي يتعاطى مع الوقائع وحكومة تأسيس هي اليوم واحدة من أبرز هذه الوقائع ، إذ تمثل نتاجاً لإرادة شعبية ووعياً جمعياً بدأ يتبلور في مواجهة هشاشة النظام القديم وتصدع مؤسساته ، ومن هنا فإن التعاطي الذكي مع تصريحات رمطان لعمامرة يعني تثبيت مبدأ أن السلام لا يمكن أن يمر إلا عبر القبول بالتحولات التي أفرزتها تضحيات الشعب ، وعلى رأسها بروز حكومة تأسيس كفاعل محوري.
إن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة حكومة تأسيس على تحويل هذا الاعتراف الضمني إلى منصة التواصل الندي ، بما يرسخ سيادتها ويمنحها مساحة للمناورة الإيجابية في الساحة الدولية ، فكلما توسعت رقعة الالتفاف الشعبي كلما تزايدت قدرتها على تحقيق الاستقرار في المناطق التي تباشر عملها منها ، كلما أصبح المجتمع الدولي أكثر ميلاً للتعامل معها بوصفها حقيقة سياسية لا يمكن القفز فوقها.
بهذا المعنى فإن تصريحات مبعوث الأمم المتحدة ليست مجرد إشادة عادية ، بل هي نافذة لمرحلة جديدة تقتضي من حكومة تأسيس أن تتقن لغة الخطاب الدولي بقدر إتقانها للتماهي مع تطلعات الجماهير في الداخل ، لأن الجمع بين الشرعية الشعبية والاعتراف الأممي هو مفتاح العبور نحو سودان جديد يتجاوز الانقسامات ويؤسس لمرحلة تاريخية مغايرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!