
نجم الدين دريسة
السودان بين وهم التغيير وواقع إعادة الهيمنة
تأسيس أم استبدال؟ حين يُعاد إنتاج الأزمة باسم التغيير
ليس كل سقوطٍ للقديم ميلادًا للجديد… أحيانًا يكون مجرد تبديلٍ للأقنعة
إذا كان من السهل تفكيك سردية الدولة القديمة بوصفها امتدادًا تاريخيًا لمنظومة السيطرة والاستعمار غير المباشر، فإن الأصعب والأكثر خطورة هو الوقوع في وهم أن مجرد إسقاط تلك المنظومة يعني بالضرورة بناء بديل أفضل. هنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن بصدد مشروع تحرري يعيد تعريف الدولة، أم أننا أمام إعادة إنتاج للأزمة بلغة جديدة وشعارات أكثر حداثة؟
إن الإشكالية لا تكمن فقط في نقد الدولة المركزية التي تشكلت تاريخيًا عبر أدوات السيطرة والترويض، بل في كيفية تجاوزها دون الوقوع في فخ استنساخ منطقها. فالتاريخ السياسي السوداني، كما في تجارب كثيرة، يثبت أن الهدم أسهل من البناء، وأن الفراغ الذي يلي سقوط الأنظمة غالبًا ما يُملأ بعشوائية أو بانفعالات، لا برؤية مؤسسية متماسكة.
وهنا يبرز مشروع “التأسيس” بوصفه وعدًا بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. غير أن هذا الوعد، رغم جاذبيته، يطرح تساؤلات مقلقة لا يمكن تجاهلها: هل يمتلك هذا المشروع أدوات حقيقية لصناعة دولة تتجاوز إرث الهيمنة، أم أنه مجرد محاولة لإعادة ترتيب السلطة ضمن نفس المنطق، ولكن بوجوه مختلفة؟ هل نحن أمام قطيعة مع الماضي، أم أمام امتداد له بوسائل أكثر نعومة وخطاب أكثر إقناعًا؟
المفارقة أن الخطاب الذي يدعو إلى تفكيك المركزية، قد يسقط أحيانًا في مركزية جديدة أكثر ضيقًا، حين يُدار بعقل جمعي مغلق أو بنخب محدودة تعيد إنتاج “الشلليات” بدل بناء مؤسسات. وهنا يكمن الخطر الأكبر: الانتقال من دولة أوليغارشية واضحة المعالم إلى حالة ديماجوجية تتسيد فيها الشعارات على حساب البنية، ويُستبدل فيها التنظيم بالفوضى، والتمثيل الحقيقي بالضجيج الجماهيري.
فالدولة لا تُبنى بالنوايا، ولا تُدار بالعاطفة، بل تُصنع عبر مؤسسات. وهذه الحقيقة البسيطة غالبًا ما يتم تجاهلها أو تأجيلها تحت ذرائع “المرحلة الانتقالية” أو “ضرورات اللحظة”. لكن التجربة تُثبت أن تأجيل بناء المؤسسات ليس حيادًا، بل هو تأسيس مبكر للفوضى. لأن السلطة، في غياب هياكل واضحة، تتحول إلى نفوذ غير مرئي، تُديره مجموعات غير خاضعة للمساءلة.
من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا هذا التخوف من بناء مؤسسات حقيقية؟ لماذا يتم القفز مباشرة إلى الحديث عن السلطة قبل تأسيس مرجعياتها التنظيمية والتشريعية؟ هل لأن المؤسسات، بطبيعتها، تفرض الشفافية وتكشف الاختلالات؟ أم لأن غيابها يتيح إدارة الدولة بعقلية غير سياسية، أقرب إلى منطق “الشركة” حيث القرار مركزي، والولاء أهم من الكفاءة، والنتائج تُقاس بالسيطرة لا بالاستدامة؟
إن محاولة إدارة دولة معقدة ومتنوعة مثل السودان بعقلية اختزالية، لا تختلف كثيرًا عن أخطاء الماضي، بل قد تكون أكثر خطورة. لأن الخطأ القديم كان واضحًا في بنيته، بينما الخطأ الجديد يتخفى خلف شعارات التغيير. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن يتحول مشروع يفترض أن يحرر الدولة من أسر الماضي، إلى أداة تعيد إنتاجه بشكل أكثر تعقيدًا.
لا يمكن الحديث عن تجاوز “دولة وكلاء الاستعمار” دون تجاوز عقلها. فالمشكلة لم تكن يومًا في الأسماء أو الواجهات، بل في طريقة التفكير ذاتها: مركزية القرار، غياب المؤسسات، تهميش الأطراف، واستبدال السياسة بالإدارة الأمنية أو التنظيمية الضيقة. وإذا لم يتم تفكيك هذه البنية الذهنية، فإن أي مشروع جديد سيقع حتمًا في نفس الدائرة.
وهنا تبرز ضرورة إعادة ترتيب الأولويات: قبل الحديث عن من يحكم، يجب تحديد كيف يُحكم. وقبل توزيع السلطة، يجب بناء هياكلها. فالمستويات الفدرالية والإقليمية والولائية والمحلية ليست مجرد تقسيمات إدارية، بل هي الإطار الذي يُنتج السلطة ويمنحها شرعيتها. وعندما تُختزل هذه المستويات أو يتم تجاوزها، فإننا لا نبني دولة، بل نُعيد إنتاج مركزية جديدة بأدوات مختلفة.
إن الخلط بين التنظيم السياسي والإدارة التنفيذية يمثل أحد أخطر الاختلالات المفاهيمية. فالهياكل السياسية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي المرجعية التي تُحدد اتجاه الدولة. ومن دونها، تصبح السلطة معزولة عن المجتمع، وتتحول إلى جهاز فوقي يفتقر إلى العمق الشعبي والمؤسسي.
وفي هذا السياق، يبدو أن بعض ملامح مشروع “التأسيس” تعاني من استعجال غير مبرر، أو ربما من فهم قاصر لطبيعة العمل السياسي. فمحاولة “وضع الحصان خلف العربة” ليست مجرد خطأ تكتيكي، بل تعبير عن خلل في الرؤية. لأن البناء السياسي لا يبدأ من القمة، بل من القاعدة، عبر مؤسسات تتشكل تدريجيًا وتكتسب شرعيتها من قدرتها على التمثيل الحقيقي.
إن التحدي الحقيقي ليس في إسقاط نموذج فاشل، بل في منع عودته بأشكال جديدة. وهذا يتطلب وعيًا نقديًا لا يكتفي برفض الماضي، بل يُدقق في الحاضر، ويطرح أسئلة مزعجة حول طبيعة المشروع البديل. فهل نحن نبني دولة مواطنة، أم نؤسس لمنظومة جديدة من الامتيازات؟ هل نُعيد توزيع السلطة، أم نُعيد احتكارها؟
التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يعذر من يقع في نفس الفخ مرتين. وإذا كان جيلٌ سابق قد أخطأ في إدارة لحظة التغيير، فإن مسؤولية الجيل الحالي مضاعفة: ليس فقط في تصحيح المسار، بل في تجنب إعادة إنتاج نفس الأخطاء تحت مسميات جديدة.
إن مشروع التغيير الحقيقي لا يُقاس بقدرته على إسقاط القديم، بل بقدرته على بناء الجديد. وهذا البناء لا يتم بالشعارات، ولا بالاندفاع، بل بالتخطيط، والصبر، والالتزام الصارم بمبادئ العمل المؤسسي. فالدولة ليست شركة، والمجتمع ليس جمهورًا، والسياسة ليست حملة مؤقتة، بل هي عملية معقدة تتطلب عقلًا يتجاوز اللحظة، ويرى المستقبل.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام مشروع تأسيسي يعيد تعريف الدولة السودانية على أسس عادلة ومستدامة، أم أننا أمام استبدالٍ لطبقة بأخرى، ومنظومة بأخرى، دون تغيير حقيقي في الجوهر؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تُكتب في البيانات، بل ستتجلى في كيفية بناء المؤسسات، وفي قدرة المشروع على إنتاج دولة لا تُختطف مرة أخرى… باسم التغيير.




