رأي

امتحانات تحت ركام الهيمنة:  تغيلف الوصاية بالرحمة وبيع المآسي باسم الإنسانية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

كم من كلمة حق أُريد بها باطل

في لحظة تبدو ظاهريًا مفعمة بالحرص على مستقبل الطلاب السودانيين، خرجت مبادرة ما سُمِّي بـ”ضمان حق طلاب السودان في الجلوس لامتحانات الشهادة”، محمولة على خطاب إنساني ناعم، ومسنودة بقلق مشروع على جيل مهدد بالضياع. غير أن القراءة المتأنية، البعيدة عن سطوة العاطفة وسذاجة النوايا، تكشف أن هذه المبادرة ليست بريئة كما تُقدَّم، بل تحمل في جوفها مشروعًا سياسياً قديماً يعاد تدويره بواجهة جديدة: إعادة إنتاج الدولة المركزية القابضة، التي قامت على الإقصاء والتهميش، لا على العدالة والمواطنة.

ليست القضية هنا رفضًا لحق الطلاب في التعليم، ولا تقليلاً من حجم الكارثة التي طالت ملايين الأطفال والشباب، بل على العكس تمامًا؛ إن المأساة التعليمية في السودان تمثل واحدة من أخطر تداعيات الحرب، لكنها أيضًا نتيجة مباشرة لبنية دولة مختلة تاريخيًا، لم تُصمم لتخدم كل السودانيين، بل لتكرّس الهيمنة على حساب الهامش. ومن هنا، فإن أي مبادرة تتجاهل جذور الأزمة، وتتعامل مع أعراضها فقط، هي في جوهرها إعادة إنتاج للأزمة نفسها.

المبادرة التي يروّج لها بعض الفاعلين، وفي مقدمتهم تيارات مدنية تقليدية وشخصيات مثل الشفيع خضر، لا تنفصل عن سياق طويل من محاولات إعادة الشرعية لدولة ما بعد 1956، تلك الدولة التي لم تكن يومًا دولة لكل السودانيين، بل كانت – ولا تزال – جهازًا مركزيًا خانقًا، احتكر السلطة والثروة، ومارس عنفًا ممنهجًا ضد مجتمعات الهامش.

هذه الدولة، التي يُراد اليوم إعادة تسويقها عبر بوابة “الامتحانات”، هي ذاتها التي أغلقت المدارس بالقصف، وشرّدت الطلاب بالحروب، وحرمت أجيالاً كاملة من حقها في التعليم، ليس بسبب عجز إداري طارئ، بل نتيجة خيار سياسي واعٍ قام على التمييز والإقصاء. فكيف يُعقل أن تتحول فجأة إلى وصيٍّ أخلاقي على مستقبل الطلاب؟ وكيف يمكن لمن حرم الناس من الحياة أن يمنحهم شهادة تعليم؟

إن الحديث عن تنظيم امتحانات تحت إشراف مركزي، وبغطاء دولي، دون مساءلة الدولة التي دمرت البنية التعليمية، ليس سوى محاولة لذر الرماد في العيون. بل هو إعادة تدوير للسلطة نفسها التي أنتجت الكارثة، ومنحها فرصة جديدة للهيمنة، هذه المرة باسم الإنسانية.

الأخطر من ذلك، أن هذه المبادرة تحمل في طياتها رسالة خفية، لكنها شديدة الخطورة: أن مجتمعات الهامش غير قادرة على إدارة شؤونها، بما في ذلك العملية التعليمية. وهي رسالة ليست جديدة، بل تعود إلى الخطاب الاستعلائي القديم الذي ساد منذ الاستقلال، والذي كان يبرر احتكار المركز للسلطة بدعوى “القدرة” و”الكفاءة”، بينما الحقيقة أن الهامش كان دائمًا ضحية لسياسات الإقصاء، لا عاجزًا عن إدارة نفسه.

في هذا السياق، تأتي المبادرة وكأنها تقول: “دعونا نحن، أبناء المركز، نُنقذ أبناء الهامش من عجزهم”، وهو منطق استعماري بامتياز، حتى وإن جاء مغلفًا بلغة حقوقية وإنسانية. إنه إعادة إنتاج لنفس العقلية التي تعاملت مع السودان كحديقة خلفية، تُدار من مركز ضيق، لا يرى في بقية البلاد سوى أطراف تابعة.

وما يزيد من ريبة هذه المبادرة، توقيتها السياسي. لماذا الآن؟ ولماذا بعد أن بدأت محاولات جادة في بعض مناطق السيطرة الجديدة، مثل مبادرات حكومة التأسيس، لتنظيم العملية التعليمية بشكل مستقل؟ هل هو صدفة أن تتحرك هذه المبادرة في اللحظة التي بدأ فيها الهامش يثبت قدرته على إدارة شؤونه؟ أم أنها محاولة لاحتواء هذا التحول، وإعادته إلى بيت الطاعة المركزي؟

الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها، أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة تعليم، بل صراع على تعريف الدولة نفسها. هل ستكون دولة مركزية قاهرة، تعيد إنتاج نفس الهياكل القديمة، أم دولة جديدة تُبنى من الهامش، على أسس العدالة والتعددية؟

المبادرة، في صورتها الحالية، تقف بوضوح في صف الخيار الأول. فهي لا تسعى إلى تمكين المجتمعات المحلية، ولا إلى الاعتراف بتجارب الإدارة الذاتية التي بدأت تتشكل في بعض المناطق، بل تعمل على إعادة ربط كل شيء بالمركز، حتى لو كان هذا المركز عاجزًا أو فاقدًا للشرعية.

ولعل أكثر ما يثير الأسى، أن بعض القوى المدنية من الهامش نفسه انطلت عليها هذه المبادرة، وتعاطت معها بحسن نية، ظنًا منها أنها خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن التاريخ يعلمنا أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة. فكم من مشروع بدأ بشعارات إنسانية، وانتهى بتكريس الظلم والاستبداد؟

إن ما يُطرح اليوم ليس مجرد حل تقني لمشكلة الامتحانات، بل مشروع سياسي متكامل، يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى، وإعادة الهيمنة إلى المركز، بعد أن بدأت تتآكل بفعل التحولات الميدانية والسياسية. وهو مشروع لا يمكن فصله عن مصالح طبقية وأيديولوجية، تمثلها قوى تقليدية، بما فيها بعض التيارات اليسارية التي وجدت في هذه المبادرة فرصة للعودة إلى المشهد، حتى وإن كان ذلك على حساب تطلعات الشعوب.

لقد آن الأوان لقول الحقيقة بوضوح: لا يمكن بناء مستقبل تعليمي عادل في ظل دولة غير عادلة. ولا يمكن الحديث عن امتحانات نزيهة، في بلد تُدار فيه السياسة بمنطق الإقصاء والعنف. فالتعليم ليس مجرد أوراق تُكتب في قاعات امتحان، بل هو نتاج منظومة كاملة، تبدأ بالعدالة وتنتهي بالكرامة.

إن شعوب الهامش، التي صمدت في وجه الحروب والتهميش لعقود، لم تعد كما كانت. لقد باتت أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على قراءة المشهد، وأكثر استعدادًا لرفض أي محاولة لإعادتها إلى مربع التبعية. وما يُطرح اليوم من مبادرات، مهما بدا براقًا، لن يمر دون مساءلة.

وفي مقابل هذه المحاولات، تبرز مبادرات أخرى أكثر جرأة وصدقًا، تنبع من داخل المجتمعات نفسها، وتسعى إلى بناء بدائل حقيقية، لا إلى ترميم القديم. ومن بين هذه المبادرات، ما طرحه البروفيسور علي رباح ونخبة من رواد التغيير، والذي سنفرد له مساحة خاصة في المقال القادم، بوصفه نموذجًا مختلفًا، يضع الإنسان في مركز العملية، لا الدولة.

ختامًا، إن معركة التعليم في السودان ليست معركة قاعات امتحان، بل معركة وعي وهوية ومستقبل. ومن يظن أنه يمكنه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، عبر مبادرات ظاهرها الرحمة وباطنها الهيمنة، فهو واهم. فالهامش لم يعد هامشًا، بل أصبح مركزًا جديدًا، يُعيد تعريف السودان من جذوره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!