
دكتور النور حمد
الفصل الثاني:انتكاسة الثورة
مرَّت على الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر 2018، حتى الآن، ما تزيد عن الخمسة أعوام. ومع ذلك، لم تقترب حتى الآن من تحقيق أيٍّ من أهدافها وشعاراتها التي رفعتها. بل على العكس من ذلك، فقد انتكست مجمل الأحوال في البلد انتكاسةً كبيرةً ووصلت بها الأمور إلى حربٍ متطاولةٍ دمَّرت البنيات التحتية، واقتلعت الناس من بيوتهم، وجعلت من العاصمة الخرطوم، بمدنها الثلاث، مدينة أشباح مدمرة. كما تسببت في حالةٍ من التشرُّد ليس لها شبيه في كل الكرة الأرضية، في وقتنا الراهن. وقد نتجت من كل تلك المآسي مجاعةٌ تمسك الآن بخناق عشرات الملايين من المواطنين. لقد تسببت الحرب في توقُّف معظم الأعمال التجارية، وفقد معظم الموظفين أجورهم الشهرية في القطاعين العام والخاص. كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بصورةٍ مخيفة. وحدث توقُّفٍ شبه كاملٍ للخدمات الصحية والتعليمية. يُضاف إلى كل ما تقدم، تعيش ثلثا الولايات التي خرجت عن سيطرة حكومة بورتسودان اللاشرعية، فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا وقضائيًّا وتعليميًّا وصحيًّا. باختصار شديد، تعيش ثلثا أراضي القطر، بصورةٍ حرفيةٍ، حالة اللادولة. بل، تعم الفوضى وعدم الأمن المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بل حتى تلك التي لم تدخلها قوات الدعم السريع.
هذا الوضع الكارثي هو ما هددت به قيادات حزب المؤتمر الوطني الشعب السوداني في إفطاراتهم الرمضانية في مارس وأبريل 2023. وهي تهديداتٌ موثَّقةٌ على أشرطة الفيديو، التي لا تزال مبثوثةً على شبكة الإنترنت. فالهدف من وراء إشعال الحرب وخلق هذه الحالة الكارثية، هو تغيير المسرح كليًّا وقلب الطاولة على الثورة وأهدافها، ونقل الأمور إلى مربعٍ جديدٍ يُنسي الناس ما كانوا يسعون إليه، ويُسقط كل ما كان دائرًا قبل الحرب. خطَّط مقاومو الثورة من سدنة النظام القديم لإدخال الشعب في كارثٍة لم يشهدها في تاريخه تجعله يندم على إشعال الثورة، وتحصر همه في مجرد العودة إلى حالته التي كان عليها قبل الحرب. ولقد نجح تنظيم الإخوان المسلمين وذراعه السياسي المسمى “المؤتمر الوطني” وأداتهم المتمثلة في الجيش والقوى الأمنية وما تسمى “كتائب الظل”، وهي الألوية العسكرية التي تضم المتطرفين الدينيين المتوحشين، في هذه الخطة نجاحًا كبيرًا.
أيضًا كان أحد أهداف الحرب، الثأر من الشعب السوداني الذي تجرأ على الإخوان المسلمين وأطاح برأس نظامهم، عن طريق الثورة التي أشعلها في 19 ديسمبر 2018. لقد نسف مشعلو الحرب كامل الاستقرار الأسري، فلم يبق أمام الناس سوى خيارين: الاستسلام الكامل لمخطط عودة النظام القديم إلى الحكم بل رذائله المعروفة، أو نسيان العودة إلى البيوت والأمن والاستقرار، مرَّةً وإلى الأبد. وقد أثبتت هذه الخطة المدروسة تلك التهديدات المتوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور المتكررة التي صدرت من مختلف لقاءات الإفطارات الرمضانية لجماعة المؤتمر الوطني وكتائبهم المسلحة التي سبقت إشعال الحرب بأسبوعين أو ثلاثة. وهي فعالياتٌ صوروها وبثوها في العديد من أشرطة الفيديو على شبكة الإنترنت. وقد عمدت الخطة، إلى وضع السودانيين أمام خيارين، لا ثالث لهما: إما أن يخضع الشعب لعودتهم إلى الحكم بلا قيد أو شرط، أو نسف الدولة بما فيها ومن عليها. وقد قام الفريق شمس الدين الكباشي، بتلخيص ذلك حين قال: إما دولة وفقًا لفهمهم وإما لا دولة على الإطلاق. وقد كان نص ما قاله بالعامية السودانية: (يا دولة بفهمنا يا ما في دولة).
أدناه بعضٌ من الروابط التي توثق تآمر تنظيم الإخوان المسلمين للقضاء على الثورة والعودة للسلطة، من جديد:
https://shorturl.at/p1EZl
https://rb.gy/cze6x0
https://rb.gy/ql7k1d
https://shorturl.at/mdP3L
https://tinyurl.com/2s3zepf2
هل تنجح السلمية دائمًا؟
من الخطأ الفادح أن نظن أن أسلوب النضال السلمي يمكن أن ينجح دائمًا، غض النظر عن اختلاف السياقات. نعم، لقد نجح الحراك السلمي الذي قاده المهاتما غاندي في الهند في تحقيق استقلالها. ولقد نجحت حركة الحقوق المدنية في أمريكا، وهي حركة اجتماعية، عبر عشر سنواتٍ من النضال المستمر، في إجبار السلطات الأمريكية على منح الملوَّنين حقوقهم الدستورية الأساسية. كما نجح الحراك الذي قاده نيلسون مانديلا ورفاقه الميامين في جنوب إفريقيا في إنهاء سياسات الفصل والتمييز العنصري، بعد عشرات السنين من النضال الدؤوب.
ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي حدثت في العالم ثوراتٌ سلميةٌ عدة متزامنةٌ حينًا، ومتتابعةٌ حينًا آخر. جرى ذلك أثناء تفكُّك الكتلة الشرقية، وانهيار النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي. وقد أحدثت هذه الثورات، على تفاوتٍ بينها، تغييراتٍ كبيرة. كما جرت في الفلبِّين في عام 1986 ما سميت “ثورة سلطة الشعب”. وقد كانت ثورةً سلمية أنهت نظام الرئيس فيرديناند ماركوس الديكتاتوري، وأقامت محله نظامًا ديمقراطيًا. لكن، تختلف السياقات اختلافاتٍ كبيرةٍ مائزة. فقد ينجح النضال السلمي في بلدٍ ويفشل في بلدٍ آخر، بسبب اختلاف طبيعة الذين يجلسون على دست الحكم. ودعونا نتصور أن حراك الجنوبيين السودانيين الطويل، الذي استمر لنصف قرن،ٍ قد اختار أسلوب النضال الملتزم بالسلمية بصرامة. فهل، يا ترى، كان الجنوبيون سيصلون إلى مفاوضات نيفياشا ويحصلون على حق تقرير المصير، ومن ثم، إجراء استفتاءٍ يحققون به استقلالهم التام، على النحو الذي جرى؟ لقد سبق أن قال الرئيس المخلوع عمر البشير إنهم لا يفاوضون إلا من كانت له بندقية. وهذا ما ظل هو وجماعته يفعلونه، مرارًا وتكرارًا مع مختلف الحركات المسلحة التي جعلوها، بنهجهم هذا، تتكاثر كما يتكاثر الفطر في البرية. لقد ظلوا على هذا النهج منذ أن سطوا على الدولة السودانية في عام 1989، وإلى يوم الناس هذا، ولا يزالون مستمرين فيه. وها هو أبو عاقلة كيكل يصعد إلى رتبة اللواء بين ليلةٍ وضحاها وتنهض وراءه قبيلته ليصبح قائدًا لمليشيا جديدة تتضخم تحت رعاية النظام اللاشرعي الحاكم من بورتسودان.
إن السبب في تعثُّر مسار هذه الثورة مقارنةً بالثورتين السابقتين 1964 و1985، أن هذه الثورة اندلعت ضد نظامٍ مؤدلجٍ تقف وراءه منظومةٌ أيديولوجيةٌ كوكبيةٌ، عابرة للأقطار. علاوةً على ذلك، فهي منظومة أمنوقراطية مسلحة حتى أسنانها، تحرس نظامها بالجيش الذي اختطفته وبالمنظومة الأمنية التي تسيطر عليها سيطرة كاملة. بل، وبميليشيات إرهابية متطرفة لا تتورع عن فعل أي شيء. ولكي يضع النظام مختلف المنظومات الأمنية التابعة له تحت المراقبة، استخدم هذه المجموعات الإرهابية المتطرفة ذات التسليح النوعي والتدريب الخاص والخبرات القتالية النوعية وأطلق عليها مسمى “كتائب الظل”. إلى جانب كل ما تقدم، حرس النظام نفسه بشبكةٍ ضخمةٍ معقدةٍ من الوسائط الإعلامية المختلفة ومن الصحفيين المأجورين الذي يفعلون كل شيء من أجل المال ومن أجل الجاه والألق الذي يضفيه التقرب من الحاكم عادةً على كل وصوليٍّ متسلق. بهؤلاء نجح النظام عبر ثلاثين عامًا في اختراق مجالات الفنون كالموسيقى والدراما والأدب والرياضة وتمكَّن من تصعيد منسوبيه إلى قياداتها للسيطرة عليها وتوجيهها لتصب كل أنشطة المجتمع المدني في صالح النظام القائم. إلى جانب ذلك فقد سيطر النظام تمامًا على مناهج التعليم وعلى الخطاب الإعلامي وعلى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ومن ثَمَّ، على منابر المساجد. وقد زاد على ذلك باختراق الطرق الصوفية والإدارات الأهلية وإدخال شيوخها في دائرة الزبانة الاقتصادية الواسعة التي صنعها.
أيضًا، تقف وراء نظام ما تسمى الحركة الإسلامية، رغم فساده الفاضح والمقرف، إلى جانب منظومة الإسلام السياسي الدولية، التي تنظر إلى السودان بوصفه البلد الأول الذي استطاع الإسلام السياسي أن يضع فيه أقدامه، ولأول مرة منذ أن برز الإسلام السياسي في الأقطار العربية وفي جنوب وسط آسيا. لذلك، فإن محاولات فك قبضة المؤتمر الوطني وتفرعاته عن رقبة الدولة السودانية بثورة ديسمبر 2018 السلمية، كانت عمليةً بالغة العسر، باهظة الكلفة عديمة المردود. ولا يزال باب الكلفة الكارثية فيها؛ من حيث هلاك الأرواح وتبديد الموارد وتدمير البنيات التحتية وتشظي الدولة، مفتوحًا على مصراعيه. وقد أثبتت تجربة الحرب الجارية الآن، التي قاربت العامين، تلك الصعوبة وتلك الكُلفة الباهظة، بما لا مزيد عليه.
لقد مارست قوى الثورة النهج السلمي لإحداث التغيير والتزمت به بصرامة، ودفعت في ذلك دماءً شبابيةً عزيزة غزيرة. وقد خلب ذلك السلوك السلمي المتحضر ألباب العالم، واستحلب، بصورةٍ لافتةٍ، إعجابه وتعاطفه. كما رفع اسم السودان من الوحل اللزج الذي مرَّغه فيه نظام الرئيس المخلوع عمر البشير ومن ورائه ما تسمى الحركة الإسلامية. غير أن ذلك لم يجعل الثورة تحقق أيًّا من أهدافها. فقد اعترض المؤتمر الوطني وذراعه المتمثِّل في الجيش وكتائبهما المختلفة، إضافةً إلى مجموعات المصالح والارتزاق، التي شكَّلت ما سُميت “الكتلة الديمقراطية” طريق الثورة. وقد دخل النظام المصري إلى جانبهم بكل قوته العسكرية المتمثلة في سلاح الطيران، وبقوته الدبلوماسية في التأثير على الدول العربية وعلى المجتمع الدولي وإشاعة أن الجيش السوداني مؤسسة حقيقية حارسة للبلاد ولاستقرارها وأن هزيمته تعني انهيار الدولة السودانية. وقد اشترت بعض الدول العربية وبعض القوى الدولية هذه البضاعة الزائفة. أكثر من ذلك، تجاوزت مصر في تحالفها مع النظام القديم مجرد الفعل السياسي والدبلوماسي المناوئ للثورة، وخلق الحواضن الشعبية الزائفة الداعمة له، إلى التخطيط لإشعال الحرب الشاملة المدمرة ومد الفريق عبد الفتاح البرهان بالسلاح وبالخبرات العسكرية المصرية بل وبمشاركة الطيارين المصريين في الحرب. أدت كل هذه الجهود الشريرة وما أحدثته من كارثةٍ شاملة فاقت خيال كل متخيل، إلى خلط الأوراق، خلطًا ذريعًا. فأدت إلى نقل الجمهور من الاصطفاف حول أهداف الثورة، إلى اصطفاف حول مجرد حلم العودة إلى البيوت وإلى مجرد الرضا بكسب العيش واستعادة الحياة التي فُقدت، غض النظر عن الكيفية البائسة التي كانت عليها ودفعت الناس للثورة في المقام الأول. هكذا نجح تحالف البرهان والحركة الإسلامية والدولة المصرية الطامعة في استتباع السودان واستلحاقه في قلب الطاولة على الجميع، بكفاءةٍ تبعث على الإعجاب.
خلاصة القول، إن فرص نجاح الثورة السلمية في السودان، فرصٌ شديدةُ الضمور. فتنظيم الإخوان المسلمين لم يقم في يومٍ من الأيام وزنًا للقوى المدنية. وما أكثر ما ردَّدوا أن من لا يملك سلاحًا، لا كلمة له ولا وزن، بل لا وجود له، ولا ينبغي أن يُعبأ به أصلًا. إن ما قاموا به من قتلٍ ذريعٍ وحشيِّ للشبان والشابات، اتسم بالتشفي في فضهم لاعتصام القيادة العامة، ومن اغتصاباتٍ وإغراقٍ للكثيرين في النيل مشدودي الوثاق إلى أثقالٍ خرسانية، لم يكن سوى رسالة رعبٍ لكل المدنيين. لقد خططوا بدقة وبتصميم لإحداث صدمةٍ نفسيةٍ هائلة، تخيف جميع المدنيين وتجعلهم يوقنون أَنْ هذه الطغمة الحاكمة التي يريدون إزاحتها عن السلطة ليس لبطشها وفظاعتها واستهانتها بالمدنيين، أي حدود. وقد رفعوا عيار الرعب عقب إشعال هذه الحرب حتى بلغ جز الرؤوس وبقر البطون ونهش الأحشاء ولَوْكَ الأكباد. وما كان الكيزان ليشعلوا حربًا شاملة، لولا أن قوات الدعم السريع قد خرجت عن طوعهم واتخذت لنفسها موقفًا جديدًا مستقلاً تجاه الثورة. انحياز قوات الدعم السريع للاتفاق الإطاري هو الذي أطاش صوابهم ودفعهم للإلقاء في المعركة بآخر أسلحتهم الأكثر فتكًا، وهي الحرب الشاملة وزعزعة أمن السكان إلى أقصى الحدود. وبهذا أسند البرهان والإسلامويون ظهرهم إلى الحائط؛ فإما أن يسحقوا الدعم السريع سحقًا كاملاً، وينصرفوا بعد ذلك إلى السياسيين والناشطين المدنيين، فيصفونهم، فردًا فردًا، وإما أن يواصلوا الحرب حتى تصبح البلاد وأهلها، هشيمًا تذروه الرياح، على قاعدة: “يا دولة بي فهمنا، يا مافي دولة” كما قال الفريق شمس الدين الكباشي.
سناء حمد والمبعوث الأمريكي
لقد لخَّصت السيدة، سناء حمد، التي جعل منها المؤتمر الوطني، مفتشًا عامًا للجيش، بلا تأهيلٍ يذكر، فأصبحت تُجلس قادته أمامها وتحقق معهم، هذا النهج الثابت المعتمد على البندقية، في المقابلة التي أجراها معها الإعلامي في قناة الجزيرة، أحمد طه. قالت السيدة سناء: إن حزبها سيقبل قوات الدعم السريع، إن هي قبلت الرجوع إلى طاعتهم من جديد. وعضَّدت ذلك بقولها إنهم مأمورين بفعل ذلك بموجب النص القرآني القائل: “إِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا”، أي إذا قبلت قيادات قوات الدعم السريع الرجوع إلى طاعتهم، فليس أمامهم خيار سوى أن يقبلوا بذلك، انصياعًا للنص القرآني. وحين قال لها أحمد طه: ولماذا لا تفعلون ذلك مع تنسيقية “تقدم”؟ فارتبكت السيدة سناء وقالت بعد فترة صمتٍ قصيرة: “إذا قَبِل الشعب” بذلك. ما قالته السيدة سناء حمد أوضح مبلغ الاستهانة التي تنظر بها الحركة الإسلامية وذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني إلى تنسيقية “تقدم” التي ما لبثت بعد أقل من عامين أن انقسمت. فالإسلامويون يريدون إعادة قوات الدعم السريع إلى جانهم ليفرغوا لتصفية الثورة والثوار بصورة نهائية. ولا يتعاظم لديهم من أجل تحقيق هذا الهدف أي شيء. فما جرى من بحور الدماء، ومن حالة التشرُّدٍ الملحميّةٍ التي طالت 14 مليون سوداني وسودانية، ومن المجاعة الطاحنة التي طالت 25 مليونًا آخرين، ومن الدمار الهائل الذي طال كل شيء، لا يهمهم في كثيرٍ أو قليل. هم يريدون الاستمرار في حكم السودان منفردين، مهما كانت الكلفة.
من الجهة الأخرى، نجد أن المجتمع الدولي، والمبعوث الأمريكي اللَّذين يبدو أن تنسيقية “تقدم” قد كانت تعوِّل عليهما، في تقديم العون لها وإعادة الأمور إلى العملية السياسية ومسارها المدني القاصد نحو التحول الديمقراطي، لم يكونا في المستوى المطلوب أو المتوقع. فقد وضح، أن الجميع لا يعبأون بـ “تقدم”. وكل الدعوات للمفاوضات القاصدة لإنهاء الحرب كان يجري تقديمها لقوات الدعم السريع وقيادات الجيش. لقد حضر الجيش لقاء جدة وجيبوتي والمنامة ولكنه تنصل من مقرراتهما مُبديًا أسبابًا واهيةً دلَّت على أنه يناور فقط لكسب الوقت لكي يستجمع طاقته ويزيد من ترسانته العسكرية ويواصل خطته الرامية إلى سحق قوات الدعم السريع. ولم يستجب الجيش لدعواتٍ أخرى، مصرًا على مواصلة الحرب. هذا، في حين حضرت قوات الدعم السريع كل اللقاءات التي دعيت إليها، مبديةً كامل استعدادها لوقف الحرب.
لكن، وللغرابة، مع هذا التهميش المزدوج لتنسيقية تقدم من جانب الجيش وتنظيم الإخوان المسلمين والقوى الإقليمية والدولية والتغييب شبه الكامل له عما يجري، نجد أن تنسيقية “تقدم” التي أصبح الشق المتبقي منها يسمى “صمود”، قد بقيت ممسكةً بالعصا من المنتصف، عاكفةً على عبادة صنم السلمية غير المنتجة في هذا السياق المفكك، مستعيضةً عن الموقف الصحيح، والفعل الثوري المنتج، بتدبيج التصريحات الإنشائية والمناشدات المتَّسمة بالضراعة. وانتهى بها الأمر لتبهت أكثر وأكثر، ويصبح غالب نشاطها لا يتعدى محاولات جلب مساعداتٍ إنسانيةٍ لم يعرف المجتمع الدولي إلى الآن، كيف يوصلها إلى مستحقيها، في ظل خداع وتعنت البرهان وقبيله وعاداتهم المرذولة المعروفة عنهم في سرقة المساعدات الإنسانية، ومنع الرقابة الدولية على مسارات إنسيابها.
كل ما جرى ذكره فيما سبق من هذا السرد، ليس سوى شذراتٍ متفرقاتٍ من تجلِّياتٍ متتابعةٍ، متواصلةٍ، لنهج مصر الرسمية الثابت في الهيمنة على السودان، والنظر إليه كمزرعةٍ يعمل فيها أقنانٌ مستعبدون، ينبغي أن يصبَّ كل ما ينتجونه في مصلحة مصر، وحدها. لم تُقم مصر مشروعًا، ولم تبرم اتفاقية مع السودان، إلا وكانت في مصلحتها هي فقط. وقد سبق أن أوردت في مقالاتٍ سابقة الاحتجاع المصري على فكرة إنشاء السودان خزان سنار، لري مشروع الجزيرة في بدايات القرن العشرين. وقلت إن أسباب اعتراضهم عليه، التي بلغت درجة البجاحة كانت كالآتي: لا يحق للسودان استخدام مياه النيل حتى تتم دراسة تؤكد استنفاده لكل الفرص المتاحة له من الري بالأمطار. وقالوا، أيضًا، وهذه أعجب من سابقتها: إن إنشاء خزان سنار سيمكِّن السودان من زراعة القطن طويل التيلة، الذي سوف ينافس القطن المصري في الأسواق العالمية، الأمر الذي يؤثر سلبًا على الميزان التجاري لمصر . (راجع عبد الرحمن علي طه، السودان للسودانيين، مصدر سابق). وإذا أردتم أن تعرفوا اليوم لماذا خرج السودان من سوق القطن العالمي، بعد أن كان ملء السمع والبصر فيه، فابحثوا عن اليد المصرية، وعن وكلائها من السودانيين. واليوم يبيع عسكر الإسلامويين مشروع الجزيرة لشركة مجهولة. ولا أستبعد أن تكون اليد المصرية وراء هذا. أيضًا، لو أردتم أن تعرفوا لِمَ انهار النظام التعليمي في السودان، وكيف فقد السودانيون لغتهم الثانية (الإنجليزية)، فابحثوا، أيضًا، عن اليد المصرية ووكلائها من السودانيين. ولو أردتم أن تعرفوا لماذا ينفرد السودان، دون كل دول حوض النيل بالانصياع الكامل للإرادة المصرية، فيما يتعلق بقضايا مياه النيل، فابحثوا عن اليد المصرية، ووكلائها من السودانيين.
لقد ظلت بعض النخب السياسية والثقافية والإدارية السودانية منكسرةً ومنهزمةً أمام الإرادة المصرية. وقد عملت مصر بجدٍّ لكي تتحقق تلك الانهزامية. كما أنها تأكدت بالتجربة الطويلة أن ما غرسته عبر قرنين من الزمان قد أثمر وسط النخب السياسية والعسكرية والتجارية، بل والثقافية السودانية، فواصلت نهجها في فرض الهيمنة وفرض الإرادة بثقةٍ تامة. ويعود سبب انهزامية النخب السودانية، وكثير من عامة السودانيين، إلى فقدان المعرفة بحقيقة الشخصية الحضارية للسودان، وما تبع ذلك من تضعضع الاعتداد بالهوية والاحتفاء، بل والفرح، بالاستلحاق لمركز هُوُيَّتي خارجي. إلى جانب ذلك هناك البحث عن المجد الشخصي، خفيض العيار، وسط النخب التي تختار التبعية للأجنبي، راضيةً بما يجلبه لها لعبُ دور التابع المُعين والمُيسِّر من فُتات.
الاحتلال المصري للعقل السوداني
قضية العلاقات السودانية المصرية من القضايا بالغة الأهمية التي أهملتها الأكاديميا السودانية والباحثون السودانيون. فهذه العلاقة عمرها أكثر من 5000 عام. وهي علاقة حكمها منذ البداية الاختلال الجغرافي في توزيع الموارد الطبيعية بين أعلى وادي النيل وأسفله. وقد تمثلت العناصر التي حكمت هذه العلاقة في فقر مصر المدقع من الموارد، والقابلية العالية لزيادة عدد السكان، مع صغر مساحة مصر التي تصلح للحياة والسكن. هذا في حين اتسم السودان بوفرة الموارد، مع قلة استثنائية في عدد السكان، إضافة إلى كبر المساحة وخصوبة الأرض وتوفر مصادر المياه. ولا نريد أن نخوض في تفاصيل التاريخ القديم، فقد تراجع احتكاك السودان بمصر منذ انهيار آخر الممالك الكوشية في القرن الرابع الميلادي. فمنذ ذلك التاريخ، دخل السودان في نومةٍ حضاريةٍ وعزلةٍ طويلةٍ عن مراكز الحضارة، لم يخرجه منها، سوى الغزو الخديوي في عام 1821.
بالغزو الخديوي تعرض السودان، مع الاحتلال العسكري، إلى احتلال عقلي. فقد جرى إلحاق السودان بمصر بوصفه قد أصبح بما يسمى “حق الفتح”، مُلكًا مصريًا خالصًا. وبناء على ذلك عملت الخديوية على إلحاقه بالفضاء المشرقي المتوسطي، كتابعٍ وامتدادٍ جديدٍ لها ليس له أي إسهامٍ حضاري وليست له ثقافة يُعتد بها. وبدأ، من ثم، نُظر إليه كامتدادٍ لمصر، وانطلقت، من ثَمَّ، جهود إدخاله في المظلة الإسلامية السنية على الصيغة العثمانية. فقد السودان بالغزو الخديوي هويته الكوشية وفقد مزاجه الصوفي الذي كان سائدًا في دولة سنار بعد أن أحلَّت الخديوية محله مزاجًا فقهيّا سنيًا عثمانيًّا، جوهر خطابه طاعة الحاكم .
ظل الاحتلال المصري لعقول السودانيين يتنامى باستمرار حتى تعدى استتباع العقل السوداني لمصر مجرد إدخال نمط التدين السني العثماني وجعل المؤسسة الكهنوتية الفقهية الرسمية جزءًا من جهاز الدولة، ليتواصل الإلحاق عبر الرسالة الإعلامية، وعبر تمصير مناهج التعليم السودانية. وقد تكثف مع كل أولئك، خاصةً في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، الخطاب العروبي الناصري الذي اجتاح، لعقدين من الزمان، كل أنحاء العالم العربي. نتيجةً لكل تلك العوامل أصبح وعينا نحن السودانيين بذاتنا، في صورته العامة، وعيًا مشرقيًّا متوسطيًّا، وفي صورته الأكثر خصوصية، وعيًا مصريًّا. فالسودانيون النيليون وسكان البوادي يُرجعون بأنسابهم إلى الجزيرة العربية، وكأنَّ القطر السوداني كان خاليًا من البشر قبل أن تهاجر إليه بعض القبائل الرعوية العربية. بل، إن غالبية سكان الوسط والشمال النيلي تنسب نفسها عرقيًا: إما لبيت العباس بن عبد المطلب، أو لنسل فاطمة بنت الرسول، وكأن كل الأعراب الذي وفدوا إلى السودان كانوا من البيت الهاشمي وحده!
لقد بدأ انتحال السودانيين لأنسابٍ عربية في فترة سلطنة الفونج (1504 – 1821). وقد ورد أن السلطان سليم حين فكَّر في غزو سلطنة الفونج أرسل إليه سلطان الفونج خطابًا يقول فيه إنهم عرب مسلمون، ولذلك فهو لا يرى، من الناحية الإسلامية، مسوِّغًا لغزوه لبلادهم. كما ذكر سلطان الفونج للسلطان سليم إنهم فقراء، ولن يحصلوا كغازين على شيءٍ يساوي الجهد المبذول في الغزو. وأرفق سلطان الفونج مع رسالته إلى السلطان سليم، شجرة نسبٍ عربية. فسُرَّ السلطان سليم بتلك الرسالة، وتخلى عن فكرة غزو سلطنة الفونج.
في نفس تلك الفترة، أيضًا، طاف بسلطنة الفونج فقيهٌ غريبٌ متكسِّبٌ، يُدعي “السمرقندي”، تخصص في نَحْلِ شجرةِ نسبٍ عربيةٍ شريفةٍ لكل من يطلب ذلك، نظير شيءٍ من المال. ولربما تعود كثيرٌ من أشجار النسب السودانية المنحولة إلى هذا الفقيه الغريب. ولقد أسهم المصريون بقدرٍ كبيرٍ في الترويج لعروبة السودان، بدافع إلحاقه تاريخيًا وثقافيًا بالفضاء العربي المشرقي. ولقد برز في هذا المنحى الدكتور عبد المجيد عابدين الذي قام بالتدريس في السودان وكتب عن عروبة السودان، كما كتب عن الأدب السوداني وروَّج له في مصر وفي النطاق العربي بصورة عامة. وقد سار معه من السودانيين في هذه الوجهة كثيرون، نذكر من أبرزهم الشاعر عبد الله عبد الرحمن الضرير، والمؤرخ محمد عبد الرحيم، والدكتور، عون الشريف قاسم. ويضيف الباقر العفيف إلى هؤلاء كلاًّ من محمد إبراهيم الشوش، وخالد المبارك، وعبد الله علي إبراهيم .
دور التعليم والإعلام المصري في الاستلحاق
لقد بدأ التعليم الحديث في السودان، حين بدأ، مصريًّا صرفًا. فبعد أن كان التعليم في السودان صوفيًّا تقليديًّا طيلة فترة سلطنة الفونج، وكان يجري في الخلاوى (الكتاتيب) التابعة للمراكز الصوفية، تحول بالغزو الخديوي إلى تعليمٍ فقهي أصبح يتبع للمؤسسة الدينية الرسمية التي كانت ذراعًا مهمًا في الاستعمار الخديوي للسودان. صار التعليم الديني يتركز أكثر في المساجد التي يشرف عليها الفقهاء الرسميون من مصريين ومن سودانيين جرى تعليمهم وتدريبهم بواسطة المصريين واستقطابهم للعمل في خدمة مشروع الادماج الثقافي للسودان في البنية الثقافية المصرية عثمانية الطابع. ومن أقوى الأدلة على تغيير هذه المؤسسة الفقهية الدخيلة للعقل السوداني وقتلها للحس الوطني وسط من جندتهم ودربتهم من علماء الشريعة السودانيين على النمط الأزهري الساند دومًا للحاكم، ما جرى أثناء الثورة المهدية من وقوف هؤلاء الفقهاء السودانيون الرسميون مع المحتل المصري الخديوي ضد الثورة الوطنية المهدوية. ومن أشهر الرسائل في معارضة الثورة المهدية التي دبجها علماء الشريعة السودانيين الذين وظَّفهم الاحتلال الخديوي، رسالة السيد أحمد الأزهري، ورسالة الشيخ الأمين الضرير في تكذيب دعوى المهدي وتخذيل السودانيين من الانخراط في الثورة المهدية .
عندما برزت الحاجة إلى قيام تعليم حديث في السودان المحتل خديويًّا، أرسل محمد علي باشا رفاعة رافع الطهطاوي ليفتتح أول مدرسة حديثةٍ في السودان في عام 1855. ولابد هنا من إيراد نظرة هذا التربوي المصري الكبير نحو السودان والسودانيين، وهو الذي بُعث إلى السودان لينشئ أول مدرسةٍ حديثة فيه. فقد عبَّر الطهطاوي عن ضيقه بالسودان وبأهله مفتخرًا بنسبه الحُسيني الشريف في قصيدة ركيكة جاء فيها:
حُسَيْنيُّ السلالةِ قاسِميٌّ بِطهطا مَعشري وبها نَجادي
وما السودانُ قطُّ مقامُ مِثلِي فلا سَلمايَ فيه ولا سُعادي
بها ريحُ السمومِ يُشَمُّ مِنهُ زفيرُ لظىً فلا يُطفيه وادي
ونصفُ القوم أكثرُ من وحوشٍ وبعضُ القومِ أشبهُ بالجمادِ
لاحقًا، طرأت في مطلع القرن العشرين، في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري فكرة إنشاء كلية غردون التذكارية، التي كانت النواة لجامعة الخرطوم. وكانت مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية في تلك الكلية مناهج مصرية يقوم بتدريسها مدرسون مصريون. ومنذ تلك اللحظة شق التعليم المصري طريقه في احتلال عقول السودانيين. وحتى في الوقت الذي كان فيه جيلنا في المرحلة الثانوية في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، أي، بعد عشرة أعوام من الاستقلال، كان منهج اللغة العربية منهجًا مصريًا. فكتب النحو الواضح، والبلاغة الواضحة، والأدب، هي نفسها كتب المنهج المصري. وكانت الغالبية العظمى من النصوص الشعرية التي ندرسها لشعراء مصريين مثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والبارودي، أو لشعراء عرب من لبنان والعراق. كما كانت كل دفعة في الصف الرابع الثانوي تدرس معلقة مختارةً من المعلقات السبع. إلى جانب ذلك كنا ندرس نماذج مستفيضة من شعر العصرين الأموي والعباسي. هذا، في حين لا ندرس من نصوص الشعر السوداني، على جودته، ومعاصريته، سوى القليل جدًا. وكانت المكتبة المدرسية تعج بكتب الأدب المصري، مما كتبه لطفي المنفلوطي، وطه حسين، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني، وأحمد حسن الزيات، وغيرهم. إلى جانب ذلك كانت هناك روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغيرهم من كُتَّاب كلاسيكيات الرواية المصرية. بل، والأغرب من كل ذلك، أن مؤلفات الإخوان المسلمين المصريين كانت جزءًا من المقرر الدراسي السوداني. وهو أمر انتقده السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، الأستاذ، عبد الخالق محجوب في حينه. وقد أضر إدخال أدبيات الإخوان المسلمين في المنهج الدراسي السوداني بالبلاد ضررًا بليغًا كانت خلاصته هذه الحرب المدمرة التي لم تضع أوزارها بها.
أما في الثقافة العامة، فقد كان لليسار السوداني دورٌ كبير في ربط الموهوبين من الشباب السودانيين بأدب اليسار المصري. فأشعار صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر، وغيرهم كان لها حضورٌ كبيرٌ ضمن المقروء من الثقافة المصرية. ومع عدم انشغال النخب السياسية السودانية، عقب الاستقلال بموضوع الهوية السودانية وبموضوع الثقافة وضرورة تطوير الطباعة والنشر فقد أصبح السودان فضاءً مفتوحًا للكتب والمجلات المصرية، مثال: “المصور”، و”آخر ساعة”، و”روز اليوسف”، و”صباح الخير”.
إلى جانب كل هذا التغريب عن الذات والاستلحاق الذي عج به المنهج المدرسي السوداني، هناك ما تسمى البعثة التعليمية العربية. وهي أشبه بوزارةٍ موازيةٍ لوزارة التربية والتعليم السودانية. فلهذه المؤسسة الأجنبية العديد من المدارس التي تديرها في عدد من المدن السودانية الكبيرة. كما كانت هناك جامعة القاهرة فرع الخرطوم التي حولها نظام الإنقاذ في فترة عدائه مع مصر في بداية التسعينيات من القرن الماضي إلى جامعة النيلين. وقد اشتهر الدكتور المصري الراحل، طلبة عويضة بتقديم آلاف البعثات السنوية للطلاب السودانيين للدراسة في مصر. باختصار، عملت مصر على مختلف الأصعدة التعليمية والإعلامية لاستلحاق السودان وفق خطةٍ واضحةٍ وممنهجة. وقد أنشأت مصر في عام 1949، أي قبل سبع سنين من استقلال السودان إذاعة سُمِّيت “ركن السودان من القاهرة”، وجرى تحويلها عقب توقيع ميثاق التكامل بين البلدين، في عهد الرئيس جعفر نميري، إلى مسمى “إذاعة وادي النيل”.
في هذا المخطط الضخم للاستتباع والاستلحاق، جرى تغييب التاريخ السوداني الكوشي من المنهج المدرسي ليسهل جر السودانيين إلى تجذير هويتهم خارج تربة بلادهم. وهذا هو ما أسهم في تُكريس اعتقاد السودانيين إنهم جاءوا إلى السودان من مكان آخر، هو الجزيرة العربية في الماضي البعيد، ومن مصر في الماضي القريب. وغرض هذه الخطة أن يرى السودانيون أنفسهم مجرد امتدادٍ جغرافي وثقافي واجتماعي لمصر. وقد ساعدت المصريين على هذه الخطة أخطاء الأكاديميا الغربية التي جعلت من حضارة كوش السودانية مجرد صدىً باهتٍ لحضارة وادي النيل في مصر السفلى. ولذلك، فإن الملوك الكوشيين السودانيين الذين غزوا مصر وحكموها لقرنٍ تقريبًا، وتمددوا حتى بلغوا فلسطين، كما جرى ذكرهم في التوراة، لم يجر تصنيفهم كغزاة قادمين من كوش، وهو ما كان بالفعل، وإنما صُنِّفوا ضمن الأسر المصرية، ومُنحوا اسم “الأسرة الخامسة والعشرون”. والآن، راجعت الأكاديميا الغربية هذا الاعتقاد الخاطئ بعد أن أثبتت الأدلة أن حضارة كوش حضارة مستقلة عن الحضارة المصرية. ومن يرد الاستزادة في هذا الباب فليراجع كتاب دورسيلا هيوستن)1876 – 1941) Wonderful Ethiopians of the Ancient Cushite Empire. وكذلك الكتابات الحديثة لعالم الآثار السويسري شارل بونيه الذي أمضى أربعين عامًا منقبًا في حضارة كوش السودانية. خلاصة القول، إن الاحتلال المصري للعقل السوداني ظاهرةٌ ضخمةٌ ومتشعبةٌ قوية التأثير، عظيمة المخاطر. وهي لم تجد إلى الآن نظرًا نقديًا يوازي عظم خطرها. ومن أكبر علامات فداحتها رؤية السودانيين لكل ما هم فيه من استتباع، أمرًا طبيعيًا لا تنعقد له الحواجب دهشة.
لا أظن أن هناك استعمارًا تغلغل عبر مسارات عديدة، وتمكن من الإمساك برقبة البلاد التي استعمرها، كما فعل الاستعمار المصري الخديوي في السودان. ولأن الاستعمار المصري الخديوي وما تلته من أنظمة حكمٍ مصرية واصلت نهج احتلال عقول السودانيين، فقد بقيت الهيمنة المصرية على السودان راسخةً، رغم خروج الجيوش المصرية من أرض السودان مرتين. كانت المرة الأولى بسبب الثورة المهدية واستعادة الخرطوم على أيدي المهدويين في عام 1885. وكانت المرة الثانية حين طرد الإنجليز الجيش المصري من الخرطوم، وانفردوا بحكم السودان، عقب مقتل البريطاني، السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم السودان، في القاهرة، في عام 1924.
الري المصري
من أغرب نماذج الغفلات السودانية التي أدت إلى انتهاك السيادة الوطنية السودانية، ما جرى في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان (1898 – 1956)، من سماحٍ لمصر لكي تنشئ مؤسسةً ضخمةً داخل السودان لمراقبة مياه النيل. هذه المؤسسة تحتل مستعمرةً كاملةً خاصةً بها في منطقة الشجرة جنوب الخرطوم، وشمالي خزان جبل أولياء. وخزان جبل أولياء نفسه هو خزان تميَّز عن كل الخزانات والسدود بأنه خزانٌ بنته دولةٌ أجنبيةٌ في عمق أراضي دولة أخرى. وقد ورثت معنا دولة جنوب السودان بسبب غفلتنا وتفريطنا في سيادتنا هذا التغلغل المصري المزعج طويل الأمد. فلمؤسسة الري المصري أيضًا وجودٌ في أراضي جنوب السودان، بل، ولها مكاتب هناك. ومن ضمن مكاتبها مكتبٌ في مدينة واو التي تبعد حوالي 300 كيلومترًا في اتجاه الغرب من مجرى النيل الرئيسي. والغرض من وجود هذه المحطة المصرية هناك هو مراقبة نهر الجور الذي ينحدر من مرتفعات إفريقيا الوسطى ويصب في مجرى النيل الأبيض. زرع هذه المؤسسة الضخمة المصريون في السودان في فترة الاستعمار الثنائي البريطاني المصري للسودان. وحين نال السودان استقلاله لم يقم الحكم الوطني بأي شيء تجاهها وتركها مثلما كانت في الحقبة الاستعمارية.
أما أسوأ نماذج التفريط التي حدثت في فترة حكم الرئيس نميري، الذي كان واقعًا بالكلية تحت السيطرة المصرية، فهو سماحه بإنشاء قناة جونقلي التي يؤدي حفرها إلى تجفيف منطقة السدود الرطبة الشاسعة، التي يعيش فيها رعاة الأبقار الجنوبيون. وغرض هذه القناة هو أن تزيد مصر إيراداتها من مياه النيل التي تحصل، أصلاً، على أكثر من نصفها. فكل دول حوض النيل الأحد عشر، ومن ضمنها السودان تحصل على أقل من النصف من إيرادات مياه النيل. جرى اتخاذ قرار إنشاء قناة جونقلي مع تجاهلٍ تامٍ للتأثيرات الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي سوف تلحقها القناة بالمواطنين الجنوبيين وبالبيئة الطبيعية في الجنوب. وقد تنبه الثائر الراحل جون قرنق إلى خطر قناة جونقلي على الجنوب وعلى القبائل الرعوية الجنوبية. فهاجمت قواته الحفَّار الذي جرى جلبه للعمل في حفر القناة، وتوقف العمل فيها منذ ذلك التاريخ.
قال محمد الحسيني، مدير تفتيش الري المصري في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في عام 2013 لوكالة الأناضول الإخبارية، إن وجود بعثات الري المصرية ليست وليدة اليوم. وإن تاريخ إنشائها يعود إلى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، بموجب اتفاقياتِ تقسيم حصص مياه النيل. وهي الاتفاقيات التي منحت مصر 55.5 مليار مترًا مكعبًا سنوياً من مياه النيل. ويقول: إن هذه الاتفاقيات إلى جانب منحها مصر 55.5، مليونًا م م من مياه النيل، منحت مصر، أيضًا، الحق في متابعة منسوب تدفق مياه الأنهار من المنبع حتى المصب. وبناءً عليه أنشأت مصر بعثات الري المصري في أغلب مدن شمال وجنوب السودان. ومن المهم القول هنا إن هذه الاتفاقيات قد جرى إبرامها ودول حوض النيل تحت الاستعمار الأوروبي، ما جعلها لا تملك سلطة قرارها. وقد ذكر مدير الري المصري في جنوب السودان أن قناة جونقلي ستوفر لمصر 6 مليارات مترًا مكعبًا سنويًا من المياه، وستستفيد منها مصر التي تواجه خطر عدم كفاية المياه للسكان مستقبلاً، حسب قوله. ولنلاحظ هنا: أن مصر تسعى لكي تؤمن حاجة سكانها المستقبلية للمياه، ولا يهمها ما ستحدثه القناة في الحاضر على الرعاة من سكان جنوب السودان.
وفيما يخص السودان، فإن الحق الذي منحته مصر لنفسها في متابعة منسوب النيل من داخل أراضيه، بهذه الصورة المؤسسية اللصيقة، جرى والسودان مستعمرة بريطانية مصرية. ويقول الإثيوبيون شيئًا مماثلًا، وهو أنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الاتفاقيات التي قسمت مياه النيل، ولم يُستشاروا فيها أصلًا. فاتفاقية 1929، التي منحت فيها مصر لنفسها كل هذه المزايا، جرت في وقتٍ كانت فيه سلطة القرار في السودان غائبةً بسبب الاستعمار. وبسبب الاحتلال المصري لعقول السودانيين، فشلت النخب السودانية الحاكمة بعد أن حصل السودان على الاستقلال في تصحيح هذا الاعوجاج البيِّن. فقد أبقت اتفاقية 1959 على نصيب الأسد من مياه النيل لمصر، كما أبقت مؤسسة الري المصري داخل السودان لتمارس أنشطتها من داخل السودان، وهي بمثابة وزارة ري مصرية، بل وجهاز مخابرات علني، ظل يعمل من داخل السودان لقرنٍ كاملٍ. ظلت مصر حريصةً على مراقبة ما يأخذه السودان من مياه النيل رغم أنها تعلم أن السودان لم يستخدم حصته المقررة له قط. بل كانت هناك 4 مليارات مكعبة فائضة من نصيب السودان ظلت تذهب إلى مصر كقرض، وهو قرضٌ هالكٌ بطيبعة الحال.
السد العالي
قبل الحديث عمَّا أصاب السودان من أضرارَ بالغةٍ نتيجة لقيام السد العالي، لابد من الحديث عن أن مصر في كل مرةٍ يتَقدَّم فيها السودان بمقترح لإقامة مشروعٍ لمصلحة اقتصاده، داخل أراضيه، تسارع من جانبها لتحصل في المقابل على شيء لنفسها. فحين فكر البريطانيون في إقامة خزان سنار لري مشروع الجزيرة للقطن، اعترض عليه المصريون تلك الاعتراضات الغريبة، التي سبق أن ذكرناها. لكن، أيضًا، انتهز المصريون الفرصة ليطالبوا بإنشاء خزان جبل الأولياء في وسط السودان، جنوبي الخرطوم، فحصلوا على الموافقة من البريطانيين الذين لم يكن الأمر يعنيهم كثيرًا. فهو خزانٌ مصريٌّ لتخزين المياه لمصلحة مصر داخل الأراضي السودانية. بل، يقع هذا الخزان على بُعد أكثر من ألف كيلومتر داخل العمق السوداني.
أيضًا حين فكر السودانيون في إنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء، طلب المصريون موافقة السودان على إنشاء السد العالي، الذي سوف يكون جزءٌ مقدَّرٌ من بحيرته داخل الأراضي السودانية. وبالفعل غمرت مياه بحيرته أكثر من 5 آلاف كيلومترًا مربعًا داخل السودان. ويمثل الجزء الواقع من تلك البحيرة داخل الأراضي السودانية ما يقدر بـ 15% من مساحة البحيرة الكلية. وقد أدَّت تلك البحيرة إلى تهجير ما يصل إلى 70,000، من مواطني تلك المنطقة الذين عاشوا فيها لآلاف السنين. يُضاف إلى ذلك، غمرت البحيرة كل المزارع على ضفتي النيل، بالإضافة إلى إغراقها الآثار التاريخية المدفونة في الأرض في تلك المنطقة الغنية بالآثار الكوشيةـ التي لم تجر الحفريات لاستكشافها بعد.
إن أسوأ ما قام به نظام الفريق عبود في فترة حكمه ( 1958-1964)، لهو موافقته على نتائج المفاوضات التي جرت قبل توليه الحكم عبر الانقلاب العسكري في عام 1958. يقول سلمان محمد أحمد سلمان، إن جولة التفاوض الثالثة بين مصر والسودان حول مياه النيل بدأت في القاهرة في 4 أبريل عام 1955، وقد قاد فيها وفد السودان وزير الري وقتها السيد، خضر حمد. ورغم أنه لم يتم التوصل لاتفاقٍ نهائيٍّ في تلك الجولة، إلا أن الوفد السوداني وافق في 7 أبريل 1955على قيام السد العالي، على “أن يُعوَّضَ سكانُ وادي حلفا التعويض الكافي قبل إقامة السد العالي.” وقد تم تسجيل هذه الموافقة في تصريح الوفد السوداني بعد نهاية تلك الجولة من التفاوض، الأمر الذي جعل تلك الموافقة مُلزِمةً للسودان، فجرى تأطيرها في اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959.
لقد تعاطف نظام الفريق عبود مع حكومة جمال عبد الناصر في مشروع السد العالي منساقًا وراء الهالة التي صنعها جمال عبد الناصر لنفسه كقائدٍ لكل العرب. وكذلك، للهالة التي صنعتها مصر لنفسها بوصفها زعيمةً للدول العربية وحاملةً للواء المقاومة لاحتلال فلسطين، وينبغي أن يُضحِّى الكلُّ من أجلها، لأنها المدافعة عن العرب ضد غوائل الاستعمار والامبريالية. تعاطف الفريق عبود وزمرته مع مصر، في حين لم يُبدوا أي تعاطفٍ مع مئات الآلاف من مواطنيهم من سكان منطقة حلفا القديمة، الذين غمرت بحيرة السد العالي مدنهم وعلى رأسها مدينة حلفا العامرة، وقراهم، وزراعتهم. ولتغرق، أيضًا، وإلى الأبد الآثارَ الكوشيَّة المدفونة في مساحةٍ شاسعةٍ جدًا، لا تقدر قيمتها التاريخية بثمن، ويصبح البحث عنها مرة أخرى، بعد أن غمرتها المياه غير ممكن.
تقول الإحصاءات إن ما يقارب مليونًا من أشجار النخيل في السودان غمرتها مياه البحيرة. كما جرى ترحيل الأهالي القاطنين على ضفاف النيل على مسافة طولها 150 كيلومترًا، رغم أنفهم، إلى سهل البطانة في وسط السودان. وقد تكفَّلت مصر في اتفاقية السد العالي بتقديم تعويضاتٍ للسودان نظير ما فقده، ونظير ترحيل وإعادة إسكان المهجَّرين من أهالي منطقة حلفا في سهل البطانة. وقد حدث الاتفاق على المبلغ بعد مفاوضاتٍ عسيرة، تعنَّت فيها المصريون تعنتًا شديدًا، وكأنَّ السودان هو الذي أتي ليبني سدًّا في مصر ليغرق به أراضيهم، وليسوا هم الذين يريدون بناء سدِّ سوف يغرق أراضي السودان، ويكبد أهله خسائر فادحة. والغريب، حين اختلف وفد السودان ووفد مصر حول مقدار مبلغ التعويض الذي ينبغي أن تدفعه مصر للسودان، وافق الوفد السوداني، بناء على مُقترحٍ من الوفد المصري، أن يكون الرئيس المصري جمال عبد الناصر هو الجهة التي يحتكم إليها الوفدان! ولقد أظهر الوفد السوداني بقبوله تولِّى الرئيس المصري جمال عبد الناصر مهمة التحكيم بين البلدين، غفلةً وسذاجةً لافتة. تعامل الوفد السوداني مع الخلاف وكأنَّ الرئيس جمال عبد الناصر جهةٌ محايدةٌ، وليس جهةً صاحبة مصلحة. بعبارة أخرى، جرى وضع جمال عبد الناصر في موضع الأب الذي يحتكم إليه ولداه المتخاصمان. وهذه واحدةٌ من أقوى التجلِّيات لحالة الاحتلال المصري لعقول السودانيين. لقد طالب الوفد السوداني بـ 35 مليونًا من الجنيهات المصرية نظير الخسائر، في حين، أقترح الوفد المصري 10 ملايين جنيهًا مصريًا، فقط! وكما هو واضحٌ، فإن الفرق بين المقترحين 25 مليونًا، وهو فارقٌ بالغ الضخامة. فأتى الرئيس جمال عبد الناصر الذي افترض فيه الوفد السوداني، لفرط غفلته وسذاجته، الحياد، ليقترح من جانبه، رغم الفارق الكبير جدًا بين المقترحين السوداني والمصري، بأن يكون مبلغ التعويض 15 مليونًا! ورغم الفارق الضخم بين المقترحين، وافق الوفد السوداني على ما اقترحه الرئيس جمال عبد الناصر!
المال الذي وافقت مصر على دفعه كان ينبغي أن يعوِّض السودان بمقدار ما فقد من أراضي شاسعةٍ غمرتها مياه بحيرة السد. وكذلك، بمقدار ما فقد من مدن وقرى وسهل فيضي على ضفتي النيل بطول 300 كيلومترًا (150 كيلو مترًا على كل ضفة). يضاف إلى ذلك، فقدان حقول ممتدة على الضفتين لزراعة الحبوب والخضر والفواكه، وما يقارب المليون نخلةً مثمرةً، جميعها غمرتها المياه. يضاف إلى ذلك، كان ينبغي أن تغطي التعويضات المصرية كلفة ترحيل قرابة 70 ألفًا من مواطني منطقة حلفا لمسافة 500 كيلو متر في عمق البلاد. مع بناء مساكن لهم وتشييد كل المؤسسات الخدمية من صحية وتعليمية من الصفر. إلى جانب ذلك، كان ينبغي أن يغطي مبلغ التعويضات كلفة إنشاء خزان خشم القربة لتخرج منه ترعة تروي مشروعًا زراعيًا ليعيش عليه هؤلاء المهجَّرون. وعند نهايات التنفيذ اتضح أن مبلغ التعويض المصري أقل بكثير من نصف الكلفة، الأمر الذي أضطر الحكومة السودانية أن تقوم بإكمال النقص من خزينتها. فإلى جانب الأنانية التي أبدتها الحكومة المصرية، وهي تتعنت في التفاوض في مقدار التعويضات، رغم أنها هي المنتفع الوحيد من مشروع السد العالي، وأن السودان هو المتضرر منه، كان هناك عامل أكثر أهمية في أن يحيق الظلم بالسودان. يتمثل ذلك العامل في ضعف المفاوض السوداني وغفلته وسذاجته، التي جعلته يفرط كل هذا التفريط، بل ولا يطالب ولو بنصيبٍ من الكهرباء التي سوف ينتجها السد، العالي. وقد كانت المديرية الشمالية في السودان، في ذلك الوقت، مظلمةً من أولها إلى آخرها، ولم يكن بها آنذاك سوى مولداتٍ صغيرةٍ تنير أجزاءَ محدودةً من بعض مدنها.
تدمير وإغراق الآثار السودانية
البلايا التي جلبها الغزو الخديوي للسودان لا حد لها، بل، هي بلايا تتناسل وتتطاول، لأنها ارتكزت على الاحتلال المصري لعقول السودانيين الذي جرى كما ذكرنا بالتعليم والإعلام ودعوى القومية العربية والمصير المشترك وخطاب المؤسسة الدينية الرسمية ذات الطابع الأزهري. بكل هذا جرى تجريف وعي السودانيين بذاتهم، وجرى إلباسهم خوذةً هوياتيةً زائفةً جعلتهم ريشةً في مهب الريح، ومطيةً ذلولاً للعقل العروبي الجمعي المُتَخَيَّل، العابر للأقطار، الذي جعلت القومية العربية الكثيرين من المستعربين في الشمال الأفريقي والقرن الأفريقي والشرق الأوسط، في الحقبة الناصرية، يتوهمون وجوده ويؤمنون به كحقيقةٍ راسخة.
أيضًا، من بين البلايا الكبيرة التي جلبها الغزو الخديوي في طياته إلى السودان، مجيء الطبيب الإيطالي جوسيبي فيرليني، الذي كان يعمل طبيبًا في مصر في عهد محمد علي باشا، ضمن حملة الغزو الخديوية. قام هذا الطبيب في عام 1834م، مستغلاً علاقاته الشخصيه مع مسؤولين خديويين في السودان، بتنظيم رحلة استكشافية مع شريكه الألباني ستيفاني إلى مدافن مَرَوِي التاريخية التي بها بقايا آثار الممالك الكوشية التي تضم 255 هرًما. قام هذا الطبيب، الذي كان لصًّا للآثار، بتفجير رؤؤس بعض الأهرامات السودانية بالديناميت وقام بسرقة كنوزها. أما بحيرة السد العالي فقد أغرقت من الآثار الكوشية السودانية ما لا يقدر بثمن، كما سبق أن قلنا. لم يُبدِ المفاوضون السودانيون اهتمامًا كبيرًا بمصير تلك الآثار، لأن التعليم المصري قد نجح في قطع العلاقة بينهم وبين التاريخ الكوشي، وهو، في تقديري، ما جعلهم يعتقدون أن هذه الآثار لا تخصهم وإنما هي آثارٌ فرعونيةٌ؛ أي مصرية!! وقد جرى بالفعل استنقاذ قدرٍ ضئيلٍ من تلك الآثار بواسطة منظمة اليونسكو، قبل أن تغمرها المياه، وجرى نقلها إلى متحف السودان القومي، الذي لا يحوي، نتيجة لغفلة نخبنا السياسية وضعف ثقافتهم، من الآثار الكوشية سوى نذرٍ يسير.




