
منعم سليمان
يقول شاعرنا الكبير محمد الفيتوري:
*كلما زيّفوا بطلاً، قلت: قلبي على وطني*.
في بدايات حرب غدر الكيزان، وكان أوارها ما يزال متقدًا، نصحني أحد الثقات، وهو من القلائل الذين أُصغي إلى آرائهم وأستأنس بحكمتهم وأمتثل لنصحهم. قال لي يومها:
” أنت كاتب صحفي، وهذه الحرب ستطول. ونصيحتي لك أن تتحلّى بالشك دائمًا إزاء كل ما يخرج من أفواه الإسلاميين، فهم كذّابون بلا استثناء، وستكون روايتهم للحرب مزيجًا متراكمًا من التضليل والأباطيل والتضخيم للعدم!”
عملت بنصيحته، وتحلّيت بالشك كثيرًا جدًّا، فما وجدت رواياتهم إلا زيفًا متدثرًا بالخداع. غير أنّ ما لم يخطر ببالي مطلقًا أن تبلغ بهم الوقاحة هذه النبرة العالية؛ أن يجرؤوا على تزييف البطولة نفسها، فيرسموا صورة لبعض الخصيان الذين لا يزنون مجتمعين خصلة شعر من صدر شهيدٍ من شباب ثورتنا الباسلة.. أولئك الذين فتحوا صدورهم العارية لرصاص الغدر والجبن الأزلي بشجاعة تُدرَّس ولا تُقاس.
فأي وزن وقيمة لهؤلاء الخصيان في ميزان الشجاعة؟! *ماذا يساوي* الفريق نصرالدين عبد الفتاح قائد المدرعات؟ *وكم القيمة الدفترية، بحساب الرجولة حتى في معناها السوقي المبتذل*، للفريق الداروتي، أو اللواء حسن البلال، أو اللواء بكراوي، أو اللواء المنصوري، أو اللواء أحمدان، وبقية المطرودين الذين لفظهم البرهان من الجيش بالأمس؟
لقد انبرت أبواق الكيزان الإعلامية، طوال اليومين الماضيين، في قصف دعائي كثيف، تحاول بكل صفاقة أن تصوّر هذه الجرابيع المذعورة أبطالًا، وتُقنعنا أن هؤلاء الانقلابيين المطرودين من الخدمة رجالٌ لم يعرف الزمان مثلهم!
لكن لندع ذلك جانبًا. فهؤلاء لم يكونوا فقط مجرد إسلاميين انقلابيين متورطين في جرائم عمر البشير وعصابته المتأسلمة: من اغتصاب ونهب وإبادة جماعية وتمزيق للبلاد؛ بل أيضًا يفتقدون الحد الأدنى من المروءة التي تفرضها الجندية في أي مكان من هذا العالم.
لقد حموا أنفسهم لا غير، فتخندقوا داخل المعسكرات والثكنات، وأحاطوها بالألغام والخنادق والحاويات الفارغة، وجعلوا كل همهم النجاة بأجسادهم، تاركين المدنيين العزّل بين خيارات مرة: نزوح واغتراب، أو “تعاون وتعايش” ، – وهذا نفسه لاحقوه لاحقًا بقطع الرقاب وبقر الأحشاء- أو استنفار عنوة لفك حصار عن جيشٍ عاطل!
*أي عار هذا؟!*
إنه أول جيش في التاريخ يتنازل عن مهمته الأساسية للمدنيين. ولا غرابة، فقد اعتادوا الحرب بالمقاولة، يُنبتون المليشيات من شتى الملل والطوائف لتقاتل بالنيابة عنهم، بينما يتفرغون هم للتجارة والسمسرة والسياسة، ومضايقة نساء الريف في أرزاقهن ببيع الحطب والفحم!
أما “القوة المميتة” ومعجزتهم العسكرية المزعومة، فلم تكن سوى قوة ومعجزة *استخدام السلاح الكيميائي*.. جريمة استثنائية تضاف إلى سجلهم الملطخ بالدماء. *فأي شرف في أن تمطر عاصمتك بالكيماوي؟ وأي مجد في أن تختبئ خلف غازات الموت وسط المدنيين؟!*
إنهم فئران مذعورة، لا تستأسد إلا على العزّل، وحين يحمى الوطيس يلوذون بالأرض كجرابيع خائفة تبحث عن جحر، ولم تخرج من جحورها *إلا بعد أن عبد لها السلاح الكيميائي الطريق!*
لكن، ومهما علا صخب الدعاية وتكاثر غبار الأكاذيب، ستبقى الحقيقة واضحة جلية: هؤلاء المتأسلمون الفسدة ليسوا أبطالًا، بل مجرمون جبناء، يتوارثون الخيانة والعار.
*الخزي والطرد يليق بهم .. والعار*.




