رأي

الاعتراف بدولة إسرائيل؛ مدخل السلام الإقليمي والدولي؛ آن الأوان لوضع حد للاستهبال المصري!

عباس احمد السخي

رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على قيام دولة إسرائيل، لا يزال السودان يُعاني من قطيعة غير مبررة معها، وهي قطيعة لم تكن يومًا نابعة من إرادة شعبية أو موقف وطني مستقل، بل صُنعت بإحكام في دهاليز السياسة المصرية، التي عملت على احتكار بوابة السودان نحو العالم، وخاصة الغرب، مستغلة مركزها كـ”وسيط” إقليمي مدعوم أمريكيًا وأوروبيًا، لتُبقي الخرطوم رهينة صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، الذي اختارت أغلب دول العرب تجاوزه بمقاربات سياسية واقعية تتأسس على مصلحة الدولة الوطنية، لا على عواطف ثورجية جوفاء.

إن الحديث عن “العداء السوداني لإسرائيل” هو كذبة كبرى صنعها الإعلام المصري وغذّاها التيارات القومية والإخوانية، لا لأجل فلسطين، بل لأجل إبقاء السودان خاضعًا لوصاية القاهرة. في المقابل، اختارت غالبية الدول العربية طريق الاعتراف والتعاون العلني مع إسرائيل، على رأسها مصر منذ (1979) وهي أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، وباتت علاقاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية مع تل أبيب نموذجًا للتعاون الإقليمي. تلتها الأردن (1994) التي أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، تتضمن سفارات وتعاونًا في مجالات المياه والطاقة والأمن. ومن ثم دولة الإمارات العربية المتحدة (2020)، وقعت اتفاق أبراهام، وأسست علاقات دبلوماسية وتجارية رفيعة المستوى مع إسرائيل. وكذلك البحرين (2020): انضمت إلى اتفاق أبراهام، ولديها سفارة رسمية في تل أبيب، وتستضيف زيارات متبادلة على أعلى مستوى. والمغرب (2020) التي استأنف علاقاتها مع إسرائيل، وافتتح سفارة وأبرم اتفاقيات تعاون في مجالات الصناعة والتقنية والدفاع.كما ان السودان نفسه في (2020) أعلن موافقته على اتفاق أبراهام وابدى نيته تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن حكومة البرهان التي يقودها عمليا الاخوان المسلمين أفشلت تنفيذ الالتزام.

تُضاف إلى ذلك عُمان وقطر اللتان تحتفظان بعلاقات غير رسمية مع إسرائيل عبر قنوات اقتصادية ودبلوماسية، فضلًا عن استضافة قطر مكاتب تمثيل إسرائيلية في فترات متعددة. كذلك فإن المملكة العربية السعودية، وإن لم تعلن اعترافًا رسميًا، فقد سمحت للطيران الإسرائيلي بالعبور فوق أجوائها، واستقبلت مؤخرًا مسؤولين إسرائيليين في لقاءات غير رسمية، ما يؤشر إلى تحوّل تدريجي في السياسة السعودية.

إن حكومة تأسيس القادمة مطالبة بموقف وطني مستقل، يعترف بدولة إسرائيل باعتبارها دولة عضوًا بالأمم المتحدة وشريكًا في تحقيق السلام الإقليمي والدولي. وينبغي أن يتجاوز هذا الاعتراف الرمزي إلى تبادل فوري للعلاقات الدبلوماسية وفتح مجالات التعاون في الزراعة والتقنية والمياه والأمن، بما يحقق مصلحة السودان المباشرة.

إن الاعتراف بإسرائيل لا يعني التنازل عن حق الشعب الفلسطيني، بل هو مدخل حقيقي لتفعيل دور السودان في دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفقًا لحل الدولتين، وتحت رعاية دولية. فالدول العربية التي اعترفت بإسرائيل لم تتخل عن فلسطين، بل باتت أكثر تأثيرًا في المسار التفاوضي.

كما أن إقامة علاقات مع إسرائيل تُمكن السودان من الانخراط في تحالفات إقليمية تضع حدًا للتمدد الإيراني الصفوي الذي يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويُسهم أيضًا في كبح التغلغل الإخواني الإرهابي الذي يهدد أمن السودان الداخلي ويُغذي الحروب.

خاتما: إن استمرار السودان في العداء المجاني لإسرائيل ليس موقفًا مبدئيًا، بل نتيجة استغلال مصري طويل المدى، أدى لعزلة السودان الدولية واستنزاف موارده في معارك لا تعنيه. مصر التي طبّعت مبكرًا وقطفت ثمار السلام، لا تملك الحق في منع السودان من سلوك الطريق نفسه.

لقد آن الأوان لاعتراف سوداني كامل وعلني بإسرائيل، لا مجاملة ولا استرضاء، بل انطلاقًا من مصالحنا الوطنية العليا، وتحقيقًا لرؤية السودان كدولة حرة ذات سيادة، تملك قرارها السياسي وتتحرك ضمن خارطة واقعية قائمة على الشراكات لا الشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!