حين تحوّل الهتاف إلى قوة… أبريل الذي أعاد تعريف المعادلة في السودان
عبد الرحمن ابو رندة ،، بنسلفانيا

عبدالرحمن ابو رندة ،، بنسلفانيا
في ذاكرة الشعوب، هناك لحظات لا تُقاس بالزمن، بل بقدرتها على تغيير مجرى التاريخ. والسادس من أبريل في السودان ليس مجرد تاريخٍ يُستعاد، بل هو لحظة انفجار الوعي الشعبي في أنقى صوره، حين خرج الناس إلى الشوارع لا طلبًا لإصلاحٍ جزئي، بل إعلانًا صريحًا بانتهاء زمن الخضوع وبداية عهد جديد تُصنع فيه الإرادة من قلب المعاناة.
لم تكن تلك الأيام عادية. كانت الشوارع تموج بالبشر، والميادين تضجّ بالحياة، والهتافات تشق عنان السماء كأنها تعيد كتابة معنى الوطن. لم يكن الصوت مجرد احتجاج، بل كان سلطةً موازية، تفرض نفسها على واقعٍ طالما احتكرته القوة. ومن بين تلك الهتافات التي حفرت مكانها في الذاكرة الجمعية، برزت شعارات تعكس وعي الشارع بطبيعة الصراع، وتُظهر بوضوح أن الثورة لم تكن عفوية بقدر ما كانت إدراكًا عميقًا لمكامن الخلل في الدولة.
كان الثوار يهتفون: “الجيش جيش الكيزان ما جيش السودان”، في تعبير مباشر عن رفض اختطاف المؤسسة العسكرية لصالح مشروع سياسي ضيق، وسعيٍ لاستعادة معناها الوطني الجامع. وفي المقابل، ظهرت هتافات أخرى حملت دلالات مختلفة، من بينها: “حميدتي الضكران… الخوف الكيزان”، وهي شعارات عكست قراءة جزء من الشارع لموازين القوة في تلك اللحظة، ومحاولة تفسير ما يجري على الأرض بلغة الشارع لا بلغة البيانات الرسمية.
هذه الهتافات، بكل ما حملته من حدة ووضوح، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت مؤشرات على تحوّل عميق في الوعي الجمعي. لقد أدرك السودانيون أن معركتهم لم تكن فقط ضد نظام سياسي، بل ضد بنية كاملة من السيطرة، تداخلت فيها السياسة مع القوة، والأيديولوجيا مع المؤسسة.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، لعبت مواقف القوى المسلحة—بمختلف مستوياتها—دورًا لا يمكن إنكاره في إعادة تشكيل مسار الأحداث. إذ لم تعد المواجهة بين شارع أعزل وسلطة مغلقة، بل دخلت عناصر جديدة إلى المعادلة، أربكت حسابات النظام، ووسّعت من هامش الحركة أمام الثوار. هذا التحول، مهما اختلفت القراءات حوله، كان أحد العوامل التي سرّعت في انهيار النظام، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة بكل ما حملته من آمال وتحديات.
لكن التاريخ، كما يعلّمنا، لا يسير في خط مستقيم. فبعد نشوة الانتصار، بدأت التناقضات بالظهور، وبرزت الأسئلة الكبرى حول طبيعة المرحلة الانتقالية، ومن يملك القرار، وكيف تُدار الدولة في ظل توازنات معقدة لم تُحسم بعد. ومع ذلك، ظل أبريل حاضرًا كمرجعية أخلاقية وسياسية، يذكّر الجميع بأن السلطة الحقيقية تنبع من الشارع، وأن أي مشروع لا يستند إلى إرادة الناس مصيره إلى زوال.
ثم جاءت تطورات لاحقة، أعادت طرح الأسئلة القديمة بحدة أكبر، وأكدت أن الصراع في السودان لم يكن لحظة عابرة، بل امتدادًا لتاريخ طويل من التنافس على السلطة والنفوذ. ومع كل ذلك، بقيت الهتافات الأولى حاضرة في الذاكرة، كأنها بوصلة تشير إلى ما كان يريده الناس في الأصل: دولة حرة، عادلة، لا تُختطف باسم الدين ولا تُدار بمنطق القوة وحدها.
إن استحضار هتافات أبريل اليوم ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم الحاضر. فهي تكشف عن عمق التوق إلى التغيير، وعن الجرأة التي امتلكها الشارع في مواجهة منظومة كاملة من القهر. كما تذكّر بأن الثورة، في جوهرها، ليست حدثًا ينتهي، بل عملية مستمرة من البحث عن المعنى، وعن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة.
في النهاية، يظل أبريل علامة فارقة في تاريخ السودان، ليس فقط لأنه أسقط نظامًا، بل لأنه كشف عن شعبٍ قادر على إعادة تعريف نفسه، وعلى كسر الخوف، وعلى تحويل الهتاف إلى قوة تُعيد رسم ملامح المستقبل.




