محاولة اغتيال أستاذ على يد طالب: جريمة جديدة أم إنذار لسودان ما بعد الحرب؟
د.عبد الله محمد آدم ،،، كمبالا

د.عبد الله محمد آدم ،،، كمبالا / أبريل ٢٠٢٦
جاء في الأخبار حادثة صادمة هزّت الوسط التعليمي السوداني: طالب سوداني، ضبطه مراقب الامتحانات يغش داخل قاعة الامتحان، فقام المراقب بطرده، لكن المفاجأة الكبرى كانت أن الطالب عاد إلى منزله، ثم حضر بسلاح آليٍّ يحاول قتل الأستاذ الذي طرده. الحادثة لم تصل إلى القتل، لكنها وصلت إلى قلب الخطر الحقيقي: كيف صار الطالب الذي يُطرد من امتحان يردّ بسلاح حربي؟
هذه الظاهرة ليست فردية ولا عابرة،لكنها نافذة نطل منها على مستقبل مرعب رسمته الحرب في السودان لتظهر كيف تصنع الحرب وحوشاً صغاراً.
لقد كتبت قبل أشهر مقالاً بعنوان “مستقبل مرعب: كيف تُخَرِّبُ الحرب جيناتنا و تصنع مجتمعاً من القتلة؟”، وحذّرت فيه من أن الحرب لا تقتل فقط في الحاضر، بل تعيد برمجة أدمغة الأطفال لتصنع منهم قتلة في الغد، وما حادثة الطالب المسلح إلا تأكيد عملي لنظريتي.
ذلك الطالب الذي لم يتجاوز المراهقة، لم يتردد لحظة في العودة بسلاح ليقتل أستاذه و لم يخطر بباله أن العقاب على الغش هو الرسوب أو الاستدعاء لولي الأمر، بل كان الحل الوحيد في عقله: الرصاص. لكن هذا الطالب ليس طالباً مشاغباً، انه نتاج طبيعي لطفل نشأ على صوت الرصاص، وتعلم أن العنف هو اللغة الوحيدة لحل الخلافات، انها الوراثة اللاجينية لندوب الحرب في جيناتنا.
كما أشرت في المقال السابق، أثبتت دراسات علمية أن الصدمات العنيفة التي يتعرض لها الأطفال في الحروب تُغيّر وظائف الدماغ عبر الوراثة اللاجينية (Epigenetics)، حيث تنتقل آثار الصدمة إلى الأبناء دون تغيير الحمض النووي، فهؤلاء الأطفال يصبحون أكثر عرضة للفصام و الاكتئاب الذهاني و اضطراب السلوك العدواني.
والطالب الذي حاول قتل أستاذه، ربما يكون قد رأى والده يُقتل أمامه، أو رأى جثثاً مقطعة في شارعه، أو سمع صراخ المعتقلين ليلاً، دماغه تعلّم أن العنف هو البقاء وعندما أحس بالظلم (وهو الطرد من الامتحان)، لم يجد في قاموسه العقلي سوى خيار واحد: اقتل من ظلمك و كان اللجوء من الغش في الامتحان إلى الرصاص هو الطريق القصير.
لكن ما يقلق أكثر هو أن هذه الحادثة لن تكون الأخيرة، فإذا كان الطالب يردّ على الطرد من الامتحان بسلاح آلي، فكيف سيكون ردّه عندما يكبر ويواجه خلافاً عائلياً؟ أو نزاعاً على أرض؟ أو مشادة مرورية؟
تخيلوا معي سودان عام ٢٠٣٠ كما رسمته في مقالي السابق: مدينة شوارعها يعبرها رجال مسلحون كالقطط الوحشية، و الأطفال يلعبون برصاصات البازر، والمدارس تُعلّم الرياضيات بحساب عدد ضحايا العنف اليومي. تخيلوا مدير مدرسة يحاول ضبط طالب مشاغب، فيرد الطالب بإطلاق نار، تخيلوا معلماً يطلب واجباً، فيأتي الطالب بسلاح أبيض.
هذا ليس خيالاً علمياً. هذه بداية الطريق الذي نراه الآن بعينه و هذه دعوة مفتوحة الي السادة قادة الجيش والدعم السريع و وزراءهم، و كل من يحمل سلاحاً أو قراراً في هذا البلد:ان الحادثة التي حدثت اليوم في قاعة الامتحان هي إنذار و هي أول قطرة من طوفان آتٍ، فكل طفل يشاهد الحرب اليوم، هو قنبلة موقوتة في جينات الأمة غداً و كل طلقة تُطلق الآن، ستُردّ بالف طلقة بعد عشر سنوات، ليس في ساحة حرب، بل في المدارس و الأسواق والشوارع و البيوت.
إن استمرار الحرب ليس فقط قتلاً للحاضر، بل هو برمجة وراثية للمستقبل. نحن نخاطر بتخريج جيل كامل من الوحوش الصغار، لا يعرفون العدل ولا يعرفون القانون، لا يعرفون سوى الرصاص.
لذا علينا العمل قبل فوات الأوان بوقف الحرب فوراً، فكل يوم حرب إضافي يعني ألف طفل إضافي سيكون نواة جيل القتلة المقبل، و يجب تصميم برامج طوارئ للصحة النفسية للأطفال في مناطق النزاع، ليس كرفاهية، بل كجراحة طارئة لاستئصال آثار الصدمة من أدمغتهم مع حملات توعوية للمعلمين والأسر حول كيفية التعامل مع الأطفال الذين تعلّموا العنف، وإعادة تأهيلهم نفسياً واجتماعياً.
ان الطالب الذي حاول قتل أستاذه ليس مجرماً عادياً، هو ضحية حرب لم تنتهِ بعد، لكنه في الوقت نفسه جريمة جديدة ترتكبها الحرب بحق مستقبل السودان.
يا آباء وأمهات السودان، ان الحرب سرقت منكم الحاضر، فلا تسمحوا لها بأن تسرق أدمغة أطفالكم
و يا قادة السودان،ان
الدم الذي يسفكه بعضكم اليوم ليس على الأرض فقط، إنه يسري في شرايين مستقبل الأمة.
هل تريدون أن يُذكر التاريخ أنكم صنعتم جيلاً من القتلة؟
هل تريدون أن يصبح السودان غابة لا يستطيع ملكها التحكم فيها؟
لم يفت الأوان بعد.. لكن الساعة تدق،و الآن، قبل أن يصبح كل طالب مسلحاً، و كل امتحان ساحة حرب، و كل مدرسة مقبرة جماعية اوقفوا هذا الحرب اللعينة




