رأي

سودان جديد – نفسياً –   سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (5)  الحرب النفسية – هندسة الهزيمة: «اقتصاد الخوف».. كيف تُحوِّل دولة 56 المواطن إلى رهينة طوارئ دائمة؟ 

مجدي محمد مصطفي ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن 

مقدمة: الخوف ليس صدفة.. الخوف “صناعة” 

لقد رأينا في المقالات السابقة كيف تم تخدير وعي المواطن بـ “الأجر النفسي”، وكيف تم إخصاء الهامش ثقافياً، وكيف استُخدمت النخب لصناعة “الضباب” وعقلنة الشر. لكن كل هذه الأدوات، على خطورتها، تعمل في أوقات الاستقرار النسبي.

أما عندما تهتز الأرض تحت أقدام “دولة 56″، وعندما تثور الجماهير مطالبة بحقوقها، تلجأ المنظومة فوراً إلى السلاح النووي النفسي: «مصنع الخوف».

الأنظمة الاستبدادية لا تحكم بالأمل؛ لأن الأمل يصنع مواطناً متطلباً ومستقلاً. هي تحكم بـ “الرعب”. في السودان، لم يكن الخوف يوماً مجرد عَرَض جانبي للحروب، بل كان “مورداً سياسياً” (Political Capital) يتم إنتاجه وتوزيعه بهندسة دقيقة.

لقد نجحت المنظومة في تحويل ملايين السودانيين من “مواطنين أصحاب حقوق” إلى “رهائن في حالة طوارئ دائمة”، ينتظرون النجاة من الجلاد نفسه!

متلازمة “رجل الإطفاء الذي أشعل الحريق”

كيف يعمل «اقتصاد الخوف»؟

القاعدة البسيطة في علم النفس العصبي تقول: “عندما يخاف الإنسان، يتوقف عقله المنطقي عن العمل، وتسيطر عليه غريزة البقاء”.

المواطن الخائف لا يسأل عن الديمقراطية، ولا يسأل أين تذهب أموال الذهب والبترول، ولا يطالب بمستشفيات أو جامعات. المواطن الخائف يطالب بشيء واحد فقط: “أن ينام ليلته آمناً”.

هنا تبرز براعة “دولة 56″؛ فهي تقوم بافتعال الأزمات الأمنية، أو تضخيمها، أو حتى صناعتها من العدم (إدارة التوحش)، ثم تتقدم بخطوة إلى الأمام لتقول للمواطن المذعور: “أنا حاميك الوحيد.. تنازل لي عن حريتك وثروتك، وسأعطيك الأمن”.

إنهم يمارسون دور “رجل الإطفاء” الذي يتلقى الأوسمة لأنه أطفأ حريقاً.. قام هو نفسه بإشعاله في منتصف الليل!

شيطنة الهامش: “البعبع” الذي يحرس خزينة المركز 

لكي تنجح هذه المقايضة المبتزة (الأمن مقابل العبودية)، يجب أن يكون هناك “بعبع” مخيف يبرر وجود الجيش والمليشيات الأمنية في شوارع المدن، ويبرر استنزاف 80% من ميزانية الدولة لصالح القطاع الأمني.

من هو هذا البعبع؟ إنه “الهامش”. 

لقد عملت آلة الدعاية التابعة للمركز على مدى عقود لشيطنة الحركات المسلحة، وثوار الأطراف، وكل من يطالب بتغيير الهيكل المختل. لم يتم تصويرهم كشركاء سياسيين لديهم مظالم عادلة، بل تم تصويرهم كـ “وحوش، برابرة، ومغتصبين، قادمين لتدمير بيوتكم وسبي نسائكم”.

النتيجة النفسية الكارثية هي أن المواطن البسيط في العاصمة أو الشمال أو الوسط، أصيب بـ “فوبيا الهامش”. أصبح يرى في الجندي القادم من الغرب أو الجنوب أو جبال النوبة “تهديداً لوجوده”. وبسبب هذا الرعب المبرمج، يركض المواطن للاحتماء بالجنرال الفاسد (الذي يسرق قوت أبنائه ويقمع ثورته)، مفضلاً “ديكتاتورية يعرفها” على “وحش وهمي” صنعته المخابرات في رأسه.

اقتصاديات الرعب: المواطن كـ “صراف آلي” للحروب 

هذا الخوف ليس مجرد حالة نفسية، بل هو “اقتصاد” متكامل.

عندما تنجح الدولة في إقناع المواطن بأن وطنه وعرضه في خطر داهم، فإنها لا تسرقه فقط، بل تجعله يدفع تكلفة المذبحة من جيبه وهو ممتن!

تحت دعاوى “المجهود الحربي” و”حرب الكرامة”، يتم فرض جبايات، ورفع الضرائب، وتدمير العملة الوطنية.

يتم تحويل لجان الأحياء من خلايا مدنية تطالب بالحقوق، إلى “مستنفرين” (دروع بشرية مجانية) يموتون في الخطوط الأمامية لحماية امتيازات الكارتيل العسكري، بينما أبناء قادة الكارتيل يديرون استثماراتهم في العواصم المجاورة.

يتحول الشعب إلى “رهينة”؛ إذا طالب بوقف الحرب والتفاوض لبناء دولة جديدة، يُخوّن ويُتهم بـ “الاصطفاف مع العدو”.

في اقتصاد الخوف، تُصبح الدعوة إلى السلام “خيانة”، ويصبح الموت المجاني “بطولة”، وتستمر الماكينة في طحن الفقراء ليزداد الأغنياء ثراءً.

الترياق: الشجاعة الإدراكية وقتل “البعبع” 

دولة 56 تتغذى على رعبنا. طالما نحن خائفون من بعضنا البعض، فإنها ستظل باقية. لكي نكسر هذه الدائرة الجهنمية، يجب أن نمتلك “الشجاعة الإدراكية”:

اكتشاف الخدعة: يجب أن ندرك أن “رجل الإطفاء هو نفسه مشعل الحريق”. المؤسسة العسكرية التي تبتزنا بالأمن اليوم، هي التي قتلت المعتصمين أمام قيادتها، وهي التي فصلت الجنوب، وهي التي أدخلت البلاد في حروب عبثية للحفاظ على هيمنتها. هي ليست صمام الأمان؛ هي مصدر الخطر الأول.

أنسنة الآخر (قتل البعبع): الشاب الذي يحمل السلاح في الأطراف، أو النازح الذي يفترش الأرض، ليس “وحشاً” يهدد أمن المركز. إنه شقيقك في المظلمة؛ أفقروه هناك بالرصاص، وأفقروك هنا بالغلاء. عندما تكسر حاجز الخوف من “الآخر السوداني” وتتواصل معه إنسانياً، تفقد المخابرات أهم أسلحتها.

رفض مقايضة (الأمن بالحرية): يجب أن نرفض هذه الصفقة المهينة. المواطن الحر لا يتوسل الأمن من مغتصب سلطة. نحن نستحق “الأمن” و “الحرية” و “العدالة” معاً، وفي دولة مؤسسات مدنية وفيدرالية، وليس في مزرعة عسكرية تحكمنا بقانون الطوارئ.

في المقال القادم، سنتناول تكتيكاً آخر أشد نعومة ولكنه أعمق أثراً: «اغتيال الذاكرة».. كيف تسرق دولة 56 رواية الشعب، وتمحو الجرائم من عقولنا لتعيد بيع الأكاذيب لنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!