رأي

هل تآكلت القيم أم تبدّلت معايير الإنسان؟

حسن النعمان

 

 حسن النعمان

لم يكن من المتصور أن تبلغ حالة التدهور الأخلاقي هذا المستوى الذي نشهده اليوم، حيث تتقدّم المصالح الضيقة على أرواح البشر، بل وتتجاوز في ذلك كل القيم الدينية والإنسانية التي طالما جرى التذرّع بها. إن ما يحدث في السودان لا يمكن قراءته فقط في إطار صراع سياسي أو تنافس على السلطة، بل هو انعكاس عميق لأزمة أخلاقية مركبة، كشفت عن اختلالات خطيرة في بنية الوعي والسلوك.

الإرهاب، في جوهره، يتشابه في كل مكان، مهما اختلفت مسمياته أو تنوعت راياته، إذ يقوم على إلغاء الآخر واستباحة وجوده. غير أن ما يجري في السودان تجاوز هذه القاعدة، ليبلغ مستوى من القسوة والانفلات لا تكفي اللغة لوصفه. فالمشهد لم يعد مجرد صراع، بل حالة من التماهي مع العنف، حيث يصبح الإيذاء غاية بحد ذاته، ويتحول الخصام إلى فجور لا تحدّه حدود.

عبر تاريخ السودان الحديث، ظل الخلاف السياسي، رغم حدّته أحيانًا، محكومًا بقدر من الضوابط التي تحفظ للدولة تماسكها وللمجتمع حدّه الأدنى من الاستقرار. إلا أن المرحلة الراهنة كشفت عن تحوّل خطير، إذ لم يعد الانتهاك موجّهًا للمواطن فحسب، بل طال الدولة نفسها، ومؤسساتها، وقيمها الجامعة. هذا الانزلاق لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإقصاء واحتكار السلطة وتغليب المصالح الفئوية.

تطرح هذه الوقائع أسئلة جوهرية حول مستقبل البلاد: هل ما زال هناك مجال لمراجعة حقيقية تعيد الاعتبار لفكرة الوطن الجامع؟ وهل يمكن استعادة معنى التعايش في ظل هذا القدر من الانقسام؟ ثم ماذا عن المكونات الاجتماعية التي اختارت الاصطفاف أو الصمت، هل تدرك حجم الكلفة التي قد تدفعها لاحقًا؟

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ما يُرتكب من أفعال، بل ما يصاحبها من تبرير، حيث يتحول الخطأ إلى قناعة، ويغدو العنف وسيلة مشروعة في نظر أصحابه. وحين تختلط المعايير، ويُعاد تعريف الحق والباطل وفق المصالح، يصبح المجتمع مهددًا في جوهره.

لقد أثبتت التجارب أن الشعور بالتفوق الوهمي، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، يقودان في النهاية إلى الانهيار. فالتاريخ لا يحابي أحدًا، وكل سلطة تتجاهل سننه محكوم عليها بالزوال. إن إعادة بناء السودان لن تكون ممكنة دون مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للقيم، وتؤسس لوعي جديد قائم على العدالة والاحترام المتبادل.

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، يبقى الأمل معقودًا على قدرة السودانيين على تجاوز هذه اللحظة، واستعادة المعنى الحقيقي للوطن، بوصفه فضاءً جامعًا لا يقصي أحدًا، ولا يعلو فيه صوت على صوت الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!