رأي

السودان والهيمنة المصرية : الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع   الفصل السادس أتت لحظة ابتلاع الفريسة

دكتور النور حمد

 

المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد 

يبدو أن النظام المصري الذي وقف بكل ما يملك ضد ثورة الشعب السوداني، معترضًا مسيرته نحو التحول الديمقراطي ومسهمًا في إشعال هذه الحرب التي دمرت البنيات التحتية السودانية المتهالكة أصلًا، التي أسهم الطيران المصري بدورٍ كبيرٍ في تدميرها عن قصدٍ مبيَّت، قد أيقن أن لحظة التهام الفريسة التي طالما تلمَّظت لها شفتاه، قد أتت بالفعل. فهذا المشروع الضخم الذي يجري في سريةٍ تامةٍ، الذي سرب أخباره محمد أبو عاصي، فيما يزعم، لهو الخطوة الأخيرة في مخطط إلحاق الدولة السودانية بالدولة المصرية بأسلوبٍ ناعم. وفي تقديري أن هذا التسريب جرى بإيعازٍ من جهاز مخابرات النظام المصري بعد أن أكمل المشروع في نظر القائمين عليه مراحله الأولى. فقد تهيأ المسرح من جميع جوانبه لتنفيذه بعد أن وضع النظام المصري، بمختلف الأساليب الملتوية، سلطة القرار في يد أكثر جنرالات الجيش السوداني تهالكًا وعمالةً، وهوسًا بالسلطة، وشرهًا لجمع المال، فرضخ لخطة مصر القديمة الجديدة في ابتلاع السودان نظير أن يحقق شهوته في الحكم.

هذا المشروع الضخم الذي يجري في منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها بين السودان ومصر التي احتلتها مصر عنوةً في عام 1995، أي بعد حوالي أربعين عامًا من استقلال السودان، ليس المقصود منه تنمية منطقة حلايب، بوصفها منطقة مصرية وفقًا للزعم المصري. وإنما المقصود منه استتباع السودان لمصر اقتصاديًا وبصورةٍ نهائية. فالإحصاءات تقدر سكان مثلث حلايب بين 30 و50 ألف نسمة، فهم لا يساوون سكان حيٍّ في أي مدينةٍ كبيرة. لذلك، كل هذه البنيات الضخمة التي يجري إنشاؤها في حلايب القصد منها جعل حلايب رأس الرمح في وضع اللمسات الأخيرة لمشروع إلحاق السودان اقتصاديًا بمصر. وأيضًا، لوضع حلايب بصورةٍ نهائيةٍ في اليد المصرية بموافقة الفريق البرهان والتنظيم الإخواني. وذلك فيما يبدو تطبيقٌ لما جرى اقتراحه من قبل من حلٍّ متهافتٍ لأزمة حلايب جرى عرضه في فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير وهو جعلها منطقة للتكامل بين البلدين.

حلايب هي رأس رمح الإلحاق

لقد جرى تطوير منطقة حلايب في نفس الإطار الزمني الذي قام فيه  الناظر “الإخواني”، محمد الأمين ترك، قبل 4 سنواتٍ مدفوعًا من قبل الفريق البرهان والتنظيم الإخواني، بتنسيقٍ كاملٍ مع النظام المصري، لإغلاق ميناء بوؤتسودان والطريق البري لخنق حكومة حمدوك. وقد كان الغرض إلى جانب هلهلة حكومة حمدوك تمهيدًا للانقلاب عليها، قتل ميناء بورتسودان وإضعاف فاعليته. ففي فترة إغلاق ميناء بورتسودان والطريق البري الذي يربطه ببقية البلاد، تحوَّلت صادرات وواردات السودان إلى الموانئ المصرية. فهذا المشروع الجديد وبالصورة التي وصفها به محمد أبو عاصي يتجه إلى جعل منطقة حلايب ميناءً أساسيًا للصادر والوارد السوداني، بحجة أن السودان الرازح تحت العقوبات لا يستطيع التعامل مع السوق الدولية إلا من خلال مصر. والمقصود من هذه النقلة هو القضاء على ميناء بورتسودان بصورةٍ نهائية. ولو بقي ميناء بورتسودان عقب ذلك، فسوف يكون بقاءً شكليا. أيضًا ستصبح، وفقًا لهذا المشروع، منطقة حلايب مخزنًا لمنتجات السودان الأولية من نباتية وحيوانية ومعدنية. وأيضًا، مصنعًا ضخمًا لإضفاء القيمة المضافة لتصدر مصر بعضه أو كله باسمها. وحين تصبح موانئ مصر الجنوبية الشرقية هي منفذ السودان لصادرات وواردات السودان، يصبح القطر السوداني برمته تحت رحمة الإدارة المصرية. فالقاهرة تستطيع خنقه متى ما أرادت. بل سيقود هذا من الناحية العملية، وبصورةٍ تلقائيةٍ إلى أن يصبح السودان مجرد محافظةٍ تابعةٍ لمصر تحمل الرقم 28. محافظةٌ مصريةٌ تجلس على رأسها دميةٌ تظن نفسها، وهمًا، أنها حاكمةٌ لقطرٍ اسمه السودان.

خطة إعادة الإعمار الخبيثة

لعلكم جميعًا قد لاحظتم العجلة المصرية على ما يسمى “خطة إعادة إعمار السودان”. بل، كما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط، فإن بعض الشركات المصرية قد شرعت بالفعل في إعادة تأهيل كل من كوبري شمبات والحلفايا اللَّذيْن دمرهما الطيران المصري. فمصر هنا، كما يقول المثل السوداني: “تفلق وتداوي”، أي (تجرح وتداوي). فالحرب لم تنته بعد ولم يقض البرهان بعد على قوات الدعم السريع وقوات عبد العزيز الحلو وقوات الجبهة الثورية الناشطة عسكريًا في مساحاتٍ شاسعةٍ من الأرض السودانية. فإذا لم يذهب الفريق البرهان وجيشه الإخواني ومليشياتهم إلى مفاوضاتٍ جديدةٍ بنيةٍ صادقةٍ ورغبةٍ أكيدةٍ في تحقيق سلامٍ حقيقيٍّ يعيد السلطة المسلوبة إلى المدنيين، فإن هذه الحرب ستستمر طويلاً جدًا. ويصبح، من ثم، من السابق لأوانه أي حديث عن “إعادة الإعمار”. اللهم إلا إذا كان النظام المصري والبرهان قد اتفقا على خروج قوات الدعم السريع من الشمال والوسط كافٍ بالنسبة لهما. وأنه يمكنهما الاستغناء عن بقية أقاليم السودان الغربية والجنوبية، وإلحاق الشمال والوسط بمصر، وفقًا لخطة الإعمار الخبيثة هذه. ويسير هذا حذو النعل مع مُخَطَّطَيْ “مثلث حمدي” و”دولة البحر والنهر”. وحتى هذا فإنه لن يُحدث استقرارًا يسمح بإعادة الإعمار. إنها حقّا لعجلةٌ مريبة.

هذه الخطة الخبيثة لإعادة الإعمار هي استباقٌ للإرادة الدولية، بل هي تآمر على شعب السودان وثورته. فالأولوية الآن ليست لإعادة الإعمار التي تبدو في هذه اللحظة وضعًا للعربة أمام الحصان. وإنما الأولوية لوقف الحرب وإيصال العون الإنساني لملايين الجوعى. وعقب ذلك، تحقيق سلامٍ راسخ مستدام يسمح بإعادة الإعمار تحت رعاية دولية وإقليمية، لا انطلاقًا من الغرف المظلمة. ما يسمى “صفقة إعادة إعمار السودان” هذه، تفوح منها روائح التآمر لاقتسام موارد السودان بعد أن أصبح أمره في يد قياداتٍ عميلةٍ متهالكةٍ لا يهمها سوى أمر نفسها. وللأسف، وكما ذكر محمد أبو عاصي، فإن هناك دولاً خليجيةً منخرطة في هذه الصفقة. وهي بهذا البعد، في تقديري، صفقةٌ لمنع التحول الديمقراطي في السودان ولاقتسام موارده من وراء ظهر أهله.

من يعجز عن حكم نفسه سيأتيه من يحكمه

نعيش الآن في السودان لحظةً فارقةً في تاريخنا المعاصر. وهي لحظةٌ وقفنا فيها عمليًّا بسبب فشلنا في إدارة شؤوننا في الحد الفاصل القاطع بين أن نكون وألا نكون. فالطمع المصري والطمع الخليجي في مواردنا والجرأة على التحكم في شؤوننا لم يأتيا من فراغ. وإنما أتيا من شعور هؤلاء بأننا أعجز من أن نحكم أنفسنا بأنفسنا. وقد رأى هؤلاء في رؤسائنا، أمثال عمر البشير، من صور الفساد ومن الضعة وعدم الاستحياء من التسول، ومن التذلل، ما جعلهم لا يقيمون لنا وزنًا. وكما قال نزار قباني قبل عقود عدة، وهو يُعرِّض ويُزري بالحالة العربية المتهالكة: “لم يدخل اليهود من حدودنا، وإنما تسرَّبوا كالنمل من عيوبنا”. فالطمع الخليجي في بلدنا يتحقق طرفٌ كبيرٌ منه عبر الطمع المصري في بلادنا. فمصر الطامعة دومًا في إلحاق السودان بها، تقدم نفسها للخليجيين بوصفها الأعرف بشؤون السودان الداخلية، والحارس في البحر الأحمر للأمن الخليجي والمدخل لموارد السودان، خاصة المتعلقة بالأراضي والمياه. وهي في هذا تعرف كيف تستعين بالطمع الخليجي لتحقيق طمعها هي.

هذه اللحظة الراهنة لحظةٌ فارقةٌ بالغة الخطر، تقتضي يقظةً سودانيةً نوعية، أرى أن حدوثها قد تعثَّر كثيرًا. ورغم هذا الحال المتشظي ورغم الغفلة المطبقة ورغم موت الهمم، لا يملك المرء على الرغم من كل ذلك، سوى أن يستمر فيقرع الأجراس والنفخ في بوق الإيقاظ من هذا السبات السوداني الطويل. فإن لم يتحقق المقصود اليوم، فإنه سيتحقق في الغد، كان على ربك حتمًا مقضيًا. المهم أن يضع المرء نفسه في الجانب الصحيح من التاريخ. لقد رُزء السودان، دون غيره من الأقطار بنخبٍ عسكريةٍ يسود وسط كثيرٍ من قياداتها الجهلُ والغطرسةُ وانطفاء وقدة الحس الوطني وضعف الشعور بمعاناة الناس واللا اكتراث بالتخلف المزري للقطر. كما رُزء بنخبٍ سياسيةٍ تستشري بينها محدوديةُ الأفق وحبُ المنصب، والاستعداد الدائم للمساومة بالأهداف السامية، والتضحية بتطلعات الشعب، من أجل تحقيق الطموحات الشخصية.

ختامًا لا أملك سوى أن أقول: أيها السودانيون، افضحوا هذا المشروع المصري القديم المتجدد لإلحاق بلادكم بمصر وقاوموه بشدة. وأعينوا مصر على نفسها بالمقاومة الواعية  والضارية لأطماعها، حتى تضطر إلى أن تبني علاقةً معافاةً ببلادنا. ومرة أخرى: “لا يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرك ما لم تكن منحنيا”. قاوموا نهج الأنظمة المصرية المتعاقبة للاستحواذ الفوقي على السودان، متضافرين مع أحرار المصريين، الذين يحلمون نفس أحلامكم، ويتطلعون إلى علاقات معافاة معكم، حتى يتحقق لمصر ما تريده من السودان، بالطرق الصحيحة. وحتى يتحقق للسودان ما يريده من مصر وبالطرق الصحيحة، أيضًا. فالنجاحات السياسية والاقتصادية الكبيرة والنهضة الباهرة والتكامل الاقتصادي بين الأقطار، وبناء الكتل الكبيرة الإقليمية القوية الوازنة، أمورٌ لا تتحقق بالفهلوة وبنزعات الاستحواذ وبأساليب العصابات وإحياء المقبور من نزعات التمدد الإمبراطورية الغابرة. وإنما يتحقق كل ذلك بالشفافية وسلامة القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!