
مليح يعقوب حماد
المقدمة: احتضار “دولة 56” في جلباب التنظيم.. السقوط الأخير وما وراء الصلاحية
تُمثل حرب الخامس عشر من أبريل الإعلان الرسمي والنهائي عن انهيار الدولة المركزية وتآكلها التام لصالح “التنظيم الإخواني”، الذي استولى على ما تبقى من مفاصلها وحوّلها إلى جثة مفرغة من محتواها المؤسسي. لقد اختطفت تلك الأيديولوجيا المتطرفة جهاز الدولة وحوّلته إلى “دولة عصابة” بامتياز؛ تهدف الآن إلى التحلل من “أعباء السودان العريض” تمهيداً لبناء “معقل جهوي ضيق”، مستخدمةً المغيبين من أبناء الهامش وقوداً لمحرقة بقائها التنظيمي.
أولاً: “الافتراس التنظيمي”.. ذوبان الدولة في الحركة
عاشت الدولة السودانية عملية “افتراس” ممنهجة؛ حيث عمل التنظيم على إطفاء بريق المؤسسة الوطنية وإحياء “النواة الحركية” بديلاً عنها. لقد حُوّل الجيش إلى “غطاء سيادي” ترتديه الكتائب المتطرفة لتوهم العالم بوجود شرعية زائفة، بينما الحقيقة الصادمة هي أن القرار السيادي صار رهينةً لرغبات البرهان التي تضع بقاء “الجماعة” فوق بقاء “الوطن”.
ثانياً: هندسة “الدويلة المعزولة”.. الإزاحة الميدانية والفرز العرقي
إن مشروع التحول القسري من “الدولة المركزية” إلى “الدويلة الجهوية المعزولة” ما هو إلا استراتيجية ميدانية تُنفذها الحركة الإسلامية عبر آليات الإزاحة والفرز الاجتماعي، لتثبيت ركائز “دولة النهر والبحر” التي تسعى لابتلاع مواطني الوسط والشمال والشرق؛ أولئك الذين صار لزاماً عليهم الاستفاقة من سباتهم العميق قبل أن تطحنهم تروس هذا المشروع الإرهابي. وتتجلى أدوات هذه الدويلة في:
سياسة “الجرافات”.. وتخوين الشريك: تمثل عمليات هدم أحياء المنحدرين من أطراف السودان في العاصمة ذروة مشروع التقسيم الجغرافي. وقد انتقل الأمر من مرحلة الهدم المادي إلى “الهدم المعنوي” عبر حملات الإساءة العنصرية الممنهجة التي طالت حتى أولئك الذين اختاروا القتال في صف المركز؛ وما الهجوم اللفظي العنصري الذي تعرضت له “القوة المشتركة” من قِبل الأبواق الإعلامية للتنظيم إلا برهان على أن المركز لا يعتبرهم “شركاء وطن”، انما يستخدمهم كـ “أدوات استهلاك” تُرمى بأبشع النعوت وهو دليل كافي على اقتراب انتهاء صلاحية استخدامهم ولفظ أدوارهم.
تشريع “العزل الاجتماعي”: عبر ابتكار مصطلحات إقصائية مثل “قانون الوجوه الغريبة” و”أولاد الضيف”، منحت دولة العصابة نفسها غطاءً قانونياً لاعتقال المواطنين وتهجيرهم بناءً على السحنة والجهة، مما ينسف جوهر المواطنة لصالح “النقاء الجهوي” الموهوم، ويحول مناطق سيطرتهم إلى “غيتوهات” أيديولوجية مغلقة.
سقوط أقنعة الترميز (الكباشي وجابر نموذجاً): تمثل إزاحة الشخصيات المحسوبة على الهامش من مراكز القرار السيادي —وعلى رأسهم شمس الدين الكباشي وإبراهيم جابر— “الترجمة السياسية” النهائية لهذا المخطط. فبعد أن استنفدت دولة العصابة حاجتها لشرعيتهم الصورية كـ “مصدات صدمة” أمام مجتمعاتهم، قررت لفظهم لتعلن انغلاقها الكامل على نواتها الأيديولوجية والجهوية الصلبة.
ثالثاً: حتمية التأسيس الوطني (البديل الوجودي)
بما أن “بقايا الدولة” الحالية أصبحت مرتعاً للإقصاء والأدلجة، فإن المخرج الوحيد هو “التأسيس الجديد” القائم على:
جيش مهني قومي: تنصهر فيه كافة القوى العسكرية الوطنية المؤمنة بالتحول، ليكون الولاء لـ “السودانوية” الجامعة لا للتنظيم أو القبيلة.
الاستئصال المؤسسي للأدلجة: تنقية الخدمة المدنية من رواسب “التمكين”، وتسريح الكتائب العقائدية ونزع سلاحها فوراً كشرط استراتيجي لاستعادة هيبة الدولة.
دولة الشراكة الأفقية: بناء مؤسسات وطنية تحمي “ابن الكنابي” و”ابن النهر” و”ابن الهامش” على قدم المساواة، وتقطع الطريق أمام مشاريع التفتيت الجهوي التي تقودها عصابة المركز.
الخاتمة: وعي الذوبان وتحرير السيادة
إن ما نعيشه اليوم هو مشهد احتضار الدولة المركزية التي يتقمص التنظيم جثتها ليوهم العالم بقدرته على الحكم. إن الوعي بهذا “الذوبان” هو الخطوة الأولى لتحرير مفهوم الدولة. إن التأسيس الجديد هو الخيار الأوحد الذي يضمن بقاء السودان ككيان واحد؛ فالسودان القادم إما أن يكون وطناً حقيقياً يسع الجميع بشروط الجميع، أو لن يكون.
التأسيس هو الحل.. والسيادة للشعب وحده.




