
نجوى بابو
في عالم يُفترض أن تُصان فيه حقوق الطفولة، يعيش ملايين الأطفال في السودان واقعًا مغايرًا تمامًا، حيث تحوّلت حياتهم اليومية إلى صراع مفتوح من أجل البقاء. فالنزاعات المسلحة لا تسلب الاستقرار فحسب، بل تنتزع من الأطفال أبسط حقوقهم: الحياة، والتعليم، والأمان، والكرامة.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، شهد عام 2024 رقمًا قياسيًا في الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في مناطق النزاع حول العالم، إذ تم توثيق أكثر من 41 ألف انتهاك، بزيادة تُقدّر بنحو 25% مقارنة بالعام السابق. وتشمل هذه الانتهاكات القتل والتشويه، والتجنيد القسري، فضلًا عن الهجمات على المدارس واوالمستشفيات
غير أن الصورة في السودان تبدو أكثر قتامة
تشير بيانات اليونيسف إلى تضاعف عدد الأطفال المحتاجين إلى مساعدات إنسانية بشكل مقلق، من 7.8 مليون طفل في عام 2023 إلى أكثر من 15 مليون طفل بحلول عام 2025. هذا الارتفاع الحاد لا يعكس فقط اتساع رقعة الأزمة، بل يكشف عن تسارع انهيار مقومات الحياة الأساسية.
في جانب التغذية، يواجه نحو 3.2 مليون طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد، في وقت سجلت فيه بعض مناطق دارفور معدلات تجاوزت 40%، وهي نسب تفوق بكثير حدود الطوارئ العالمية. وفي مدينة الفاشر، يواجه آلاف الأطفال خطر الموت نتيجة الجوع والحصار.
ولا تتوقف المأساة عند حدود الجوع، إذ يتعرض الأطفال كذلك لخطر التجنيد في النزاعات المسلحة، سواء بالإجبار أو تحت ضغط الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وتُعد هذه الظاهرة من أخطر الانتهاكات، لما تخلّفه من آثار طويلة الأمد على نفسية الأطفال ومستقبلهم.
في موازاة ذلك، أدى النزاع إلى تدمير واسع للبنية التحتية، حيث تعطلت آلاف المدارس والمرافق الصحية في مناطق عدة، من بينها كردفان والنيل الأزرق، ما حرم الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، وزاد من هشاشتهم في مواجهة الأمراض وسوء التغذية.
هذه الانتهاكات لا تمثل إخفاقًا إنسانيًا فحسب، بل تُعد خرقًا صريحًا لـاتفاقية حقوق الطفل 1989، التي تُلزم الدول بحماية الأطفال من العنف والاستغلال، لا سيما في أوقات النزاعات. كما أن استهداف المدارس والمستشفيات يُصنّف جريمة بموجب القانون الإنساني الدولي.
إن ما يجري في السودان اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليشكّل كارثة إنسانية متفاقمة تهدد مستقبل جيل كامل. فالأرقام لم تعد مجرد إحصاءات، بل أصبحت تعبيرًا حيًا عن واقع يومي يعيشه ملايين الأطفال.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرك عاجل وفعّال، يضمن وقف إطلاق النار، ويوفر الحماية للمدنيين، ويفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما يظل دور القوى المدنية والمجتمع الدولي محوريًا في الدفع نحو تسوية سلمية شاملة، تضع مصلحة الأطفال في صدارة الأولويات.
وتتجه أنظار الأطفال وآمالهم إلى مؤتمر برلين 2026 حول السودان، المقرر عقده في 15 أبريل 2026، باعتباره فرصة مفصلية لدفع جهود وقف الحرب. ويأمل كثيرون أن يشكّل هذا المؤتمر نقطة تحول حقيقية، تُغلّب صوت العقل، وتضع حدًا لمعاناة مستمرة، طال أمدها، ودفعت كلفتها الأجيال الأصغر سنًا.
فحماية الأطفال في مناطق النزاع ليست خيارًا، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. وأي تباطؤ في الاستجابة لا يعني سوى المزيد من الأرواح التي تُفقد، والمزيد من الطفولة التي تسلب




