رأي

حين تسقط الأقنعة: السياسة بين منطق المصالح وحدود الأخلاق

جيلان شريف اجبر 

 

جيلان شريف اجبر 

في فضاء السياسة، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الرؤى، لا تُبنى العلاقات بين الفاعلين على النوايا المجردة بقدر ما تُشكَّل وفق حسابات دقيقة للمنفعة والتوازن. فالدول، كما القوى السياسية، لا تتحرك بدافع العاطفة، بل وفق ما تفرضه ضرورات البقاء وتعظيم المكاسب، في مشهدٍ معقد تتداخل فيه المبادئ مع البراغماتية.

 

غير أن هذا الطابع النفعي لا يعني بالضرورة انعدام القيم، بل يعكس جانبًا من واقعية السياسة كحقلٍ تحكمه معادلات القوة. فالعلاقات التي تقوم على تبادل المصالح، حين تكون واضحة ومعلنة، قد تمثل شكلًا مستقرًا من التفاعل السياسي، تُدار فيه التفاهمات وفق قواعد معروفة، وتُبنى فيه التحالفات على إدراك متبادل للحقوق والواجبات.

 

وفي هذا السياق، تتحول “المنفعة” من تهمة أخلاقية إلى أداة تنظيم، تضبط إيقاع العلاقات بين الفاعلين، سواء كانوا دولًا أو حركات أو كيانات سياسية. فحين يكون كل طرف واعيًا بحدود التزاماته، يصبح التوازن ممكنًا، ويغدو التعاون أكثر استدامة، بعيدًا عن الشعارات الزائفة أو الخطابات المضللة.

 

لكن هذا التوازن يظل هشًا أمام نزعات الهيمنة والجشع السياسي. إذ تسعى بعض الأطراف إلى توظيف العلاقات كوسيلة للاستنزاف، لا كشراكة متكافئة، فتختل المعادلة وتتحول المنفعة إلى أداة للسيطرة، لا وسيلة للتعاون. وهنا تبدأ الأقنعة في السقوط، وتتكشف حقيقة الفاعلين عند أول اختبار جدي للمصالح.

 

في لحظات الأزمات، تظهر الفوارق بوضوح بين من يدير السياسة كفنٍ للتوازن، ومن يتعامل معها كأداة للغلبة بأي ثمن. فهناك من يلتزم بمبادئ الحد الأدنى من المسؤولية، ويحافظ على خطوطٍ حمراء تتصل بالإنسان والأخلاق، وهناك من ينقلب على كل التزام، بمجرد تغير موازين القوة.

 

وحين تنكشف هذه التناقضات، تتهاوى الخطابات التي طالما تغنّت بالقيم، ويبرز الفارق بين الفاعل السياسي الأصيل، الذي يستند إلى رؤية متماسكة، وبين آخر يتقن فقط لعبة التمويه والمناورة قصيرة الأمد. فالأول يبني شرعيته على التوازن والاستمرارية، بينما يبدد الثاني رصيده في رهانات آنية سرعان ما تنقلب عليه.

 

إن السياسة، في جوهرها، ليست نقيضًا للأخلاق، لكنها اختبار دائم لها. وبين من يوظف المنفعة لبناء توازن عادل، ومن يستخدمها لتكريس الهيمنة، تتحدد ملامح المشهد العام.

 

وفي النهاية، يبقى الخيار قائمًا أمام الفاعلين:

إما تبني سياسة واعية، تقوم على المصالح المتوازنة والاحترام المتبادل،

أو الانزلاق نحو نهج استنزافي، ينتهي حتمًا بانكشافٍ وسقوط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!