رأي

أبناء الامام الصادق المهدي… حين خانوا الإرث وباعوا دماء الأنصار

عباس احمد السخي

من كان يصدق أن أبناء الإمام الصادق المهدي، الذين يفترض أنهم ورثة تاريخ طويل من النضال والتضحية، سيتحولون يوماً إلى مجرد ظلال باهتة في بلاط الجلادين، وإلى أبواق تزين الخيانة وتغطي على عار العمالة؟ من كان يظن أن عبد الرحمن الصادق ومريم ورباح سيقفزون فوق دماء الشهداء، ويبيعون إرث الأنصار في أسواق السياسة الرخيصة، مقابل شقق فاخرة في القاهرة، وصفقات مشبوهة مع أنظمة إقليمية؟

لقد اعتاد السودانيون أن ينظروا إلى حزب الأمة القومي باعتباره ضميراً وطنياً ورمزاً للمقاومة، الحزب الذي حرر السودان مرتين: مرة حين رفع الأنصار سيوفهم في شيكان والخرطوم عام ١٨٨٥، ومرة أخرى حين تصدى رجال الاستقلال لانتزاع الحرية في عام ١٩٥٦. هذا الإرث لم يأت من فراغ، بل كُتب بدماء الفقراء والمحرومين في دارفور وكردفان والنيل الأبيض، وبعرق المزارعين البسطاء الذين ما عرفوا سوى العطاء، وبصبر الأمهات اللواتي قدمن أبناءهن في سبيل الله والوطن.

لكن ما نراه اليوم شيء يصعب وصفه. أبناء الإمام الراحل – عبد الرحمن الصادق، مريم، رباح – لم يرثوا من أبيهم سوى الاسم، أما الروح فقد ضاعت، والتجرد تبدد، والإخلاص تبدل إلى نزعة تكسب وتربح واستعلاء على قواعد الحزب. هؤلاء، الذين كان يفترض أن يكونوا امتداداً لذلك التاريخ المضيء، اختاروا أن يصطفوا مع الجلادين، ضد الأنصار أنفسهم.

بينما يُقتل الأنصار بالقصف الجوي والبراميل الحارقة، بينما يموتون جوعاً ومرضاً في قراهم المحاصرة، بينما تُستهدف معاقلهم بالقتل على الهوية العرقية والجغرافية، يعيش الأبناء في القاهرة في أرقى الشقق السكنية، يتنقلون بين العواصم في السيارات والشقق الفارهة. أي نفاق هذا؟ وأي سقوط أخلاقي يمكن أن يكون أبشع من ذلك؟

عبد الرحمن الصادق، الذي التصق اسمه يوماً بـ “مساعد السفاح”، لم يكتف ببيع نفسه لنظام البشير، بل واصل مسيرة الارتزاق بعد سقوط النظام، مستغلاً اسم الأنصار ليتسول عطايا الاخوان المسلمين ويقيم الصفقات عبر صديق إسماعيل. أما مريم الصادق، التي تتحدث عن الشرف والكرامة، فهي نفسها التي استلمت ملايين الدولارات من أبوظبي، لتشتري بها الولاءات وتوزعها على حاشيتها، فيما يسقط الأنصار شهداء في أطراف البلاد. ورباح، التي كان يفترض أن ترفع صوتها دفاعاً عن إرث أبيها، آثرت أن تكون بوقاً للأسرة، تبرر الخيانة وتغطي على الفضائح.

المأساة أن هذه الأسرة، التي صنعت أمجادها على أكتاف الأنصار، باتت اليوم عبئاً على الحزب، ووصمة عار في جبينه. لقد ظل الأنصار أوفياء للحزب منذ أكثر من قرن ونصف، يقدمون دماءهم دون مقابل، ويضحون بالغالي والنفيس دون انتظار مغنم أو جاه، بينما الأبناء يحولون التضحيات إلى أرصدة في البنوك، واسم الحزب إلى بطاقة مرور إلى موائد الحكام الخونة.

والسؤال المشروع هنا: من يحتاج إلى من؟ هل الأنصار في حاجة إلى عبد الرحمن ومريم ورباح؟ أم هؤلاء هم الذين يعيشون على دماء الأنصار وعرقهم؟ الحقيقة الثابتة أن الحزب أكبر من الأفراد، وأن الأنصار هم الأصل، وأن الأسرة التي خانت العهد ليست سوى فصل عابر في تاريخ طويل سيحاكمها كما حاكم غيرها.

لقد آن أوان المكاشفة. لم يعد مقبولاً أن يختبئ أبناء الصادق خلف الشعارات وهم أول من باعها. لم يعد جائزاً أن يتحدثوا باسم حزب الأمة وهم أول من طعنه في ظهره. لقد انكشفت أوراقهم، والوثائق التي تثبت عمالتهم وارتزاقهم موجودة، وإن لزم الأمر فستُعرض على الملأ ليعرف الشعب من الذي تاجر باسمه.

إنها لحظة الحقيقة. إما أن يعود الأبناء إلى رشدهم ويكفروا عن خيانتهم بالعودة إلى صفوف الأنصار المظلومين، أو يواجهوا حكم التاريخ القاسي، الذي لا يرحم الخونة ولا يبرئ المرتزقة. فالأمة السودانية لن تغفر، والأنصار الذين جبلوا على التضحية لن يقبلوا أن يُباع إرثهم في مزاد المصالح، ولن يسمحوا أن يتحول الحزب إلى ضيعة خاصة تورث كما تورث الأملاك.

سيظل حزب الأمة القومي حزب الشعب، حزب الشهداء والأوفياء، حزب الذين ضحوا بدمائهم وعيشهم من أجل أن يكون السودان حراً عزيزاً. أما الذين خانوا، فلهم مزبلة التاريخ التي لفظت من قبلهم كل خائن ومرتزق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!