
مها طبيق:
ليس هذا يومًا عاديًا في تقويم الذاكرة، بل تاريخٌ كُتب بالدم، وصمد رغم كل محاولات الطمس والنسيان. في 15 أبريل نسترجع الماضي لا لنبكيه، بل لنُعيد تعريف الحاضر على ضوء تضحيات لم تكن عابرة، بل مؤسسة لمسار كامل من النضال والصمود. هؤلاء الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا أسماء تُذكر في المناسبات، بل كانوا خط الدفاع الأول، والنبض الذي منع الانهيار، والرسالة التي تقول إن الهامش حين ينهض، لا يُكسر مهما تعاظمت التحديات.
لم يدخلوا المعركة بتوازن قوة، ولكن دخلوها بتوازن قضية. واجهوا آلة عسكرية ضخمة بإيمانٍ صلب، وبإرادة لا تعرف التراجع، فكانت النتيجة أن تحولت لحظة الصدمة إلى بداية تشكّل وعي جديد، وولادة مرحلة مختلفة أعادت ترتيب الأولويات وفرضت واقعًا لم يعد ممكنًا تجاوزه أو تجاهله. لقد كتبوا بدمائهم معادلة جديدة، مفادها أن الحق حين يجد من يحمله بإخلاص، يصبح قوة لا تُقهر.
ثلاث سنوات مضت، لم تنطفئ فيها الجذوة، ولم تُكسر فيها الإرادة. بل تحولت التضحيات إلى واقعٍ يُفرض، وإلى حضورٍ سياسي وميداني أعاد رسم ملامح الصراع، وأثبت أن مسار التغيير، مهما تعثر، لا يتوقف. غير أن التحدي الأكبر لم يعد في المواجهة وحدها، بل في القدرة على حماية المشروع من التآكل الداخلي والانقسام والتنازع، حين تتحول القضايا الكبرى إلى خلافات ضيقة تضعف الصف وتبدد الجهود.
لذلك، فإن 15 أبريل هذا العام يجب أن يكون نقطة تحول تاريخية، ويومًا لإسكات الخلافات لا تغذيتها، ويومًا لتوحيد الصف لا لتفتيته، ويومًا لإعادة ترتيب الأولويات بوضوح لا لبس فيه: القضية أولًا… وما عداها تفاصيل. فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يكتب المجد لمن يختلفون على الهامش وينسون جوهر المعركة.
الوفاء لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بقدرتنا على الاستمرار دون انكسار، وعلى البناء دون تشتت، وعلى تحويل الدم الذي سُفك إلى قوة تدفع إلى الأمام. دقيقة صمت لا تكفي، وما يلزم هو قرار جماعي بأن الطريق الذي بدأ لن يتوقف، وأن التضحيات لن تُفرّغ من معناها، وأن الحقوق لن تُؤجَّل إلى أجلٍ غير معلوم.
لأن هذا اليوم… هو يوم العهد،
عهدٌ يُكتب بالمواقف، لا بالشعارات.
مها الهادي طبيق
15 أبريل 2026




