
د محمد عمر كرتكيلا
المراقب للمشهد السياسي الدولي والإقليمي والمحلي بعين ثاقبة وقلب حاضر وقراءة صحيحة لمجريات الأحداث المتقاطعة والمصالح المشتركة بين دول الإقليم وربطها بتسارع الراهن السوداني يخلص إلى أن كل الخيارات ربما أصبحت صفرية لخيار السلام المجتمعي الدائم للشعب السوداني لذلك فإن خيار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ربما هو الخيار الأخير بعد نفاد العقوبات الشخصية والانتقال إلى مرحلة استخدام القوة الدولية
يعد الفصل السابع أحد أهم الأدوات القانونية التي تمنح مجلس الأمن الدولي سلطة التدخل لحفظ السلم والأمن الدوليين وهو ليس مجرد بند قانوني بل أداة توازن بين السيادة الوطنية والمسؤولية الدولية ويحتاج تطبيق نصوصه إلى توافقات دولية داخل المجلس منعاً لاستخدام حق الفيتو ولضمان صدور القرار بإرادة دولية مشتركة ليصبح المرجع الذي يمكن الاستناد عليه كأساس لشرعية دولية تبيح اتخاذ القرار إزاء ما يراه المجلس مهدداً للسلم والأمن الدوليين
ماهو الفصل السابع
يتكون الفصل السابع من المواد 39 إلى 51 من ميثاق الأمم المتحدة ويضع آلية تصاعدية للتعامل مع الأزمات الدولية تبدأ بالإجراءات السلمية وتنتهي باستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر
يرتكز هذا الفصل على عدة عناصر أساسية أهمها
1 تحديد الخطر أو العدوان
المادة 39
للتأكد من أن الحالة تمثل تهديداً للسلم أو إخلالاً به أو عملاً من أعمال العدوان وإذا أقر بذلك يصبح من حق مجلس الأمن أن يتخذ إجراءات ملزمة لجميع الدول الأعضاء
بعدها يبدأ اتخاذ إجراءات ذات طابع مدني مثل عقوبات اقتصادية ومالية أو حظر سفر أو تجميد أموال أو حظر تسليح أو قطع العلاقات الدبلوماسية وهذه الإجراءات تعد تطبيقاً للفصل السابع حتى دون اللجوء إلى القوة العسكرية
إذا فشلت العقوبات والضغوط السلمية يمكن لمجلس الأمن أن يفرض استخدام القوة المسلحة لحفظ السلم ويعد هذا القرار المرحلة الأخيرة والأكثر خطورة ولا يمكن الانتقال إليها إلا بعد التأكد رسمياً من عدم جدوى الوسائل الدبلوماسية والعقوبات قبل إصدار قرار بالتدخل الدولي
استخدام القوة العسكرية باسم الفصل السابع لا يتم إلا بقرار واضح وصريح من مجلس الأمن يحدد النطاق والهدف والجهة المنفذة
أهمية الفصل السابع
يعد الآلية القانونية الأقوى التي تمتلكها الأمم المتحدة لفرض إرادتها على الدول
تكمن أهميته في تحويل القرارات من مجرد توصيات إلى أوامر واجبة التنفيذ
يمنح الشرعية الدولية لأي تدخل عسكري أو إنساني
يتيح للدول المتضررة مثل السودان طلب الحماية الدولية عند العجز عن الدفاع عن المواطنين
عملية تطبيق الفصل السابع
يمر تطبيقه بعدة خطوات
1 تقرير من الأمين العام أو دولة عضو يوضح أن هناك تهديداً للسلم
2 نقاش داخل مجلس الأمن لتحديد ما إذا كانت الحالة تندرج تحت المادة
3 تصويت رسمي يجب أن يحظى القرار بتأييد 9 أعضاء على الأقل من أصل 15 عضواً دون استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية وهي أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لحق النقض
4 صدور القرار الملزم وبمجرد إقراره يصبح واجب التنفيذ على جميع الدول
5 المتابعة والمراجعة وتراقب الأمم المتحدة تنفيذ القرار عبر لجان خاصة أو قوات حفظ سلام أو تقارير دورية
نماذج لتطبيقات تاريخية للفصل السابع
العراق عام 1990 بعد غزو الكويت حيث أقر المجلس استخدام القوة لاستعادة السيادة الكويتية
ليبيا عام 2011 حين صدر القرار 1973 الذي أجاز التدخل العسكري لحماية المدنيين
يوغسلافيا عام 1993 حيث فرضت عقوبات ثم تفويض باستخدام القوة الجوية
السودان عام 2005 حين فرضت عقوبات على أطراف النزاع في دارفور وأحيل الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية
المشهد السوداني من دارفور إلى حرب 15 أبريل 2023
السودان يعد من أبرز الأمثلة التي خضع فيها بلد للفصل السابع مرتين
1 عام 2005 بخصوص دارفور عبر القرارين 1591 و1593
في عام 2005 أصدر مجلس الأمن القرار 1593 بموجب الفصل السابع والذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية ما جعل السودان رسمياً خاضعاً لهذا الفصل
لاحقاً صدرت قرارات أخرى مثل 1591 و1945 بفرض عقوبات على قادة عسكريين ومنع تصدير السلاح إلى دارفور
ومع اندلاع حرب 15 أبريل عادت الأوضاع لتتجاوز دارفور وتشمل معظم أنحاء البلاد مما دفع المجتمع الدولي لإعادة النظر في الموقف
خلال الأعوام الثلاثة من عمر الحرب صدرت عدة بيانات من دول غربية تدين العنف ضد المدنيين في السودان والانتهاكات الواسعة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق مع تعهدات مالية لدعم العمل الإنساني
كل هذه التطورات تشير إلى اتجاه متزايد نحو إعادة تفعيل أدوات أكثر صرامة تتمثل في الفصل السابع على نطاق أوسع سواء عبر عقوبات جديدة أو إجراءات أشد ضد الأطراف المتورطة في الانتهاكات
إبقاء السودان تحت مظلة الفصل السابع يعني استمرار مراقبته دولياً حتى تحقيق تسوية سياسية أو وقف الانتهاكات
خلاصة المطاف
يظل الفصل السابع ليس مجرد أداة قانونية لاستخدام القوة بل منظومة متدرجة تبدأ بالضغط السياسي والاقتصادي وتنتهي بالقوة العسكرية فقط بعد فشل جميع الوسائل السلمية وبقرار صريح من مجلس الأمن
وفي الحالة السودانية أثبت التاريخ أن المجتمع الدولي لا يزال يعتبر السودان منطقة تهديد للسلم الدولي ما يفسر استمرار العقوبات وتزايد المواقف الدولية المنددة بالعنف والداعمة للمتضررين
ومع تطور الأزمة الإنسانية يظل السودان أحد أبرز الأمثلة الحية على استمرار تطبيق الفصل السابع في القرن الحادي والعشرين ليس بهدف الاحتلال أو العقوبة بل لحماية المدنيين ومنع تكرار المآسي الإنسانية للشعب السوداني
كسررررررررة
حديث مسعد بولس قبل يومين في القاهرة يضع النقاط على الحروف بأننا أمام خيارين لا ثالث لهما
1 الحل السلمي
2 التدخل الأممي
الفصل السابع
الخميس 23 أبريل 2026م




