رأي

الجنجويد بين الأسطورة السياسية وحقائق التحول في السودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

في خضم الصراع السوداني المحتدم، برزت لغة سياسية مشحونة بالشعارات والانفعالات أكثر من استنادها إلى الوقائع والتحليل الرصين. ومن بين أكثر المصطلحات تداولاً وإثارة للجدل، يبرز لفظ الجنجويد الذي يُستخدم اليوم بكثافة في الخطاب السياسي والإعلامي، حتى أصبح عند البعض وصفاً جاهزاً لكل خصم سياسي أو عسكري، دون تدقيق في الجذور التاريخية أو التحولات التي طرأت على الواقع السوداني خلال العقدين الأخيرين.

والحقيقة أن هذا المصطلح نشأ في سياق محدد يرتبط بأزمة دارفور مطلع الألفية الجديدة، حين اندلع التمرد المسلح ضد الدولة المركزية، ودخل الإقليم في واحدة من أعقد الحروب الأهلية في تاريخ السودان الحديث. آنذاك، لجأت السلطة الحاكمة بقيادة نظام عمر البشير إلى سياسات أمنية تقليدية تقوم على تسليح مجموعات محلية لمواجهة الحركات المسلحة، بدلاً من معالجة جذور الأزمة المتعلقة بالتهميش السياسي والتنموي والاختلالات البنيوية في الدولة السودانية.

تلك السياسة أنتجت واقعاً شديد التعقيد، حيث تشكلت مجموعات مسلحة متعددة المشارب والانتماءات، وتداخل فيها المحلي بالقبلي والأمني، قبل أن يتحول الملف برمته إلى قضية دولية انتهت بإحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وملاحقة عدد من كبار مسؤولي النظام السابق بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

غير أن السودان لم يبقَ ثابتاً عند لحظة 2003. فقد شهدت البلاد لاحقاً تحولات كبيرة في البنية العسكرية والسياسية، كان من أبرزها تأسيس قوات الدعم السريع ضمن إطار قانوني رسمي، ثم إدماجها داخل المنظومة الأمنية للدولة، بما جعلها جزءاً من المعادلة الوطنية الجديدة، سواء اتفق البعض مع هذا المسار أو اختلفوا حوله.

ومن هنا يصبح استخدام مصطلح الجنجويد اليوم وكأنه توصيف ثابت وعابر للزمن، نوعاً من القفز فوق التاريخ وتجاهل للتحولات الواقعية. فالمؤسسات العسكرية والسياسية لا تُقرأ بالشعارات، بل بالهياكل القانونية، والأدوار السياسية، والمواقع التي تشغلها في مسار الدولة.

لقد لعبت قوات الدعم السريع دوراً محورياً في محطات سياسية مفصلية بعد ثورة ديسمبر، وبرزت كطرف مؤثر في إعادة تشكيل المشهد الانتقالي. فقد انحازت مبكراً إلى مطالب التغيير، وشاركت في ترتيبات المرحلة الانتقالية، كما اضطلعت بأدوار مهمة في ملفات الاقتصاد والسلام، وعلى رأسها اتفاق جوبا الذي مثّل محاولة جادة لإنهاء الحروب الممتدة في أطراف البلاد.

كما أن هذه القوات أبدت دعماً واضحاً لفكرة الانتقال المدني الديمقراطي، وساندت المبادرات السياسية التي سعت إلى إعادة السلطة إلى المدنيين، وإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية التقليدية على القرار السياسي والاقتصادي. وهو ما جعلها في مواجهة مباشرة مع التيارات الراغبة في إعادة إنتاج النظام القديم بأدوات جديدة.

ومن هذا المنظور، فإن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تكن مجرد نزاع عسكري بين قوتين، بل انفجاراً لصراع عميق حول مستقبل الدولة السودانية: هل تعود البلاد إلى قبضة الدولة القديمة وتحالفاتها الأيديولوجية، أم تمضي نحو إعادة تأسيس دولة مدنية حديثة تستوعب التنوع وتُنهي احتكار المركز للسلطة والثروة؟

لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذا الصراع. دُمرت المدن، ونزح الملايين، وتضررت البنية التحتية، واتسعت المأساة الإنسانية. وفي خضم هذا الخراب، استمرت حملات الدعاية المتبادلة، وصار استخدام الألفاظ القديمة جزءاً من معركة الوعي أكثر من كونه توصيفاً موضوعياً للواقع.

إن الإصرار على ترديد مصطلحات مثل الجنجويد دون قراءة جديدة للمشهد، لا يخدم الحقيقة ولا يساعد على بناء سلام مستدام. بل يكرس الانقسام، ويعيد إنتاج الكراهية، ويحول الصراع السياسي إلى معركة هويات مغلقة.

السودان اليوم لا يحتاج إلى استدعاء قاموس الماضي بقدر ما يحتاج إلى شجاعة مواجهة الحاضر. يحتاج إلى مساءلة كل الأطراف عن دورها في الحرب، وإلى عدالة انتقالية تنصف الضحايا، وإلى مشروع وطني جديد يقطع مع عقلية الاستغلال السياسي للقبائل والمناطق والهويات.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الأزمة ليست في اسم هذه القوة أو تلك، بل في طبيعة الدولة نفسها، وفي غياب العقد الوطني الجامع. فحين تُدار البلاد بعقلية الإقصاء والامتيازات، تتحول كل الأدوات إلى أدوات صراع، وكل المؤسسات إلى ساحات تنازع.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد من هم الجنجويد، بل كيف نبني سوداناً لا يُنتج جنجويداً جديداً، ولا يعيد تدوير الطغيان بأسماء مختلفة. ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، وما عداه مجرد ضجيج سياسي يستهلك الوقت ويؤجل الخلاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!