رأي

السودان بين ركام الحرب وفجر العدالة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من زرع الظلم حصد الزوال.

لم يعد ممكناً، في هذا العصر الذي تشابكت فيه المعرفة مع القانون، وتداخلت فيه التقنية مع منظومات الرقابة الدولية، أن تستمر قلة صغيرة في حكم شعوب كاملة بمنطق الامتياز الوراثي، أو أن تحتكر السلطة والثروة والسلاح، ثم تتصرف في مصائر الملايين وكأن البلاد ضيعة خاصة. لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الجرائم تُرتكب في الظلام، وتُدفن الحقائق في صحراء الصمت، لأن العالم اليوم، مهما تباطأ، صار أكثر قدرة على الرؤية والتوثيق والمحاسبة.

إن المأساة السودانية ليست وليدة لحظة عابرة، بل حصيلة تراكم طويل من الاستبداد، واحتكار الدولة بواسطة نخب ضيقة تعاملت مع الوطن كغنيمة، ومع المواطن كأداة طيعة أو خصم يجب إخضاعه. ومن رحم هذه العقلية نشأت الحروب، وتناسلت الأزمات، وتحوّلت مناطق واسعة من السودان إلى مسارح للفقر والنزوح والانتهاكات. فحين تُغلق أبواب العدالة، تفتح أبواب البنادق، وحين تُصادر السياسة، تتكلم المأساة بلغتها القاسية.

لقد شهد السودان، على امتداد عقود، أنماطاً متعددة من العنف المنظم: قتل خارج القانون، تهجير قسري، تمييز على أسس الهوية، وتدمير ممنهج للنسيج الاجتماعي. وهي أفعال لا تسقط بالتقادم، لأن ذاكرة الشعوب لا تموت، ولأن القانون الدولي لم يعد يسمح بإخفاء الجرائم خلف شعارات السيادة أو دعاوى الأمن القومي. وما مثول مسؤولين سابقين أمام العدالة الدولية إلا إشارة واضحة إلى أن التاريخ قد يتأخر، لكنه لا ينسى.

ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، دخل السودان واحدة من أكثر مراحله قسوة واضطراباً. فقد اتسعت رقعة الدمار، وانهارت مؤسسات، وتشرّد الملايين، وتكشفت هشاشة الدولة التي بُنيت على القوة لا على الرضا الشعبي. وما جرى لم يكن مجرد صراع عسكري، بل انفجاراً لأزمة بنيوية مؤجلة، ظل كثيرون يهربون من مواجهتها سنوات طويلة.

لقد أثبتت التجربة أن السلطة التي تقوم على الإقصاء لا تنتج استقراراً، وأن الدولة التي تُدار بعقلية الثكنة لا تصنع وطناً يتسع للجميع. فالقوة قد تُخضع الناس زمناً، لكنها لا تمنح الشرعية، والخوف قد يفرض الصمت مؤقتاً، لكنه لا يخلق ولاءً دائماً. لذلك فإن كل مشروع سياسي يقوم على تحقير المواطنين أو تصنيفهم أو نزع إنسانيتهم، يحمل في داخله بذور انهياره.

ومن أخطر ما صاحب الأزمة السودانية ذلك الخطاب الذي خلط الوطنية بالقمع، وصوّر العنف ضد المدنيين كأنه دفاع عن الدولة، وحوّل الاختلاف السياسي إلى خيانة، والتنوع الاجتماعي إلى تهديد. هكذا تعمل الأنظمة المغلقة دائماً: تصنع عدواً داخلياً لتبرر قبضتها، وتغذي الخوف لتؤجل سقوطها. لكنها تنسى أن الكراهية نار تأكل حاملها قبل خصومه.

إن الشعوب السودانية، رغم ما لحق بها من إنهاك، أثبتت مراراً أنها أكثر نضجاً من كثير من نخبها. فهي لا تطلب المستحيل، بل تطلب دولة عادلة، ومؤسسات محترمة، وفرصة متساوية في الحياة الكريمة. تريد وطناً لا يُقاس فيه الإنسان بقبيلته، ولا تُوزع فيه الحقوق بحسب الجهة، ولا يُستباح فيه الدم باسم الشعارات الكبرى.

ومن هنا، فإن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ بتبديل الوجوه، بل بتبديل الفكرة التي حكمت السودان طويلاً: فكرة المركز المحتكر، والسلطة المتعالية، والدولة التي تخاف شعبها أكثر مما تخاف أعداءها. المطلوب هو تأسيس جديد يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، وتوزيع عادل للثروة، وإقرار صريح بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا سبباً للصراع.

كما أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أخلاقياً ووطنياً. فلا سلام حقيقياً مع إنكار الجرائم، ولا مصالحة صادقة مع تغييب الضحايا، ولا استقرار دائماً مع بقاء الإفلات من العقاب. إن الأمم التي تتجاهل جراحها، تُبقي النزيف مفتوحاً للأجيال القادمة.

لقد آن للسودان أن يخرج من دائرة الحرب إلى أفق الدولة، ومن زمن الغلبة إلى زمن العقد الاجتماعي، ومن ثقافة الرعايا إلى مقام المواطنين. فالأوطان لا تبنى بالخوف، ولا تحرسها الأكاذيب، ولا ينهضها الاستبداد. الذي يبنيها هو العدل، والذي يحفظها هو القانون، والذي يمنحها المعنى هو الإنسان الحر الكريم.

وحين تسترد الشعوب حقها في وطنها، تسقط الأقنعة كلها، ويبدأ التاريخ من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!