رأي

الإخوان المسلمون وتجارة البؤس: والي الخرطوم يفتتح مشروع “حلة البليلة”

فاطمة الزين الغالي

 

في مشهدٍ يثير الغثيان والغضب معاً، تداولت وسائط التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر والي الخرطوم وهو يفتتح مشروع تكية تقدم “البليلة العدسية ”، في احتفاليةٍ تكاد تكون مسرحية هزلية لو لم تكن تجسيداً مأساوياً للواقع المرير. هذا المشهد ليس مجرد حدث عابر، بل هو تجسيدٌ صارخٌ لقدرة جماعة الإخوان المسلمين على الاتجار ببؤس الشعوب، وتسويق هذا البؤس على أنه نعمةٌ إلهية، وكأن الفقر والعوز ليسا بواباتٍ من جحيم السياسات الفاشلة، بل هما الخير بعينه الذي يجب على الشعب أن يقبله بامتنان.
تتجلى المأساة في طابورٍ طويلٍ من الأمهات المنهكات، والرجال المكسورين، والأطفال الذين سُرقت منهم براءة الطفولة، وهم ينتظرون دورهم لنيل لقمةٍ من البليلة العدسية المطبوخ بالملح. هذا الطابور ليس مجرد تجمع بشري، بل هو صورةٌ حيةٌ لكرامة أمةٍ أُزهقت تحت وطأة الحرب والفقر. الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، وتركت شعباً بأكمله يصطف في ذلٍ ليحصل على ما يسد رمقه، بينما يترجل والي الخرطوم من سيارته الفارهة، متبختراً في زهوٍ يناقض تماماً واقع الجوعى. وكأن المشهد لم يكن كافياً في قبحه، يرتفع صوتٌ مجلجلٌ بالتكبير والتهليل، يستقبل “حضرة الوالي”، في تناقضٍ صارخٍ بين الواقع المؤلم والاحتفالية المصطنعة.
العجب ليس في الوالي وحده، ولا في سياسة الاخوان التي تتاجر ببؤس الناس، بل في ذلك الشعب الذي يصطف في طوابير الذل، ينتظر “فضل” التكية، وكأن هذا هو قدره الذي لا مفر منه. الأزمة ليست في الوالي المريض بالنرجسية، ولا في طقوسه الاحتفالية المثيرة للسخرية، بل في شعبٍ لم يدرك بعد أن سبب نكبته ومأساته هو تلك الجماعة التي اتخذت من البؤس تجارةً، ومن الكرامة سلعةً تباع في سوق السياسة. الإخوان المسلمون، بسياساتهم الماكرة، لم يكتفوا بإفقار الأمة وتشريدها، بل أتقنوا فن إيهامها بأن هذا البؤس هو نعمةٌ يجب أن تشكر عليها.
يتردد في الأذهان سؤال الروائي الطيب صالح: “من أين أتى هؤلاء؟”، سؤالٌ كان موجهاً للإخوان المسلمين في زمنه، واليوم يحق لنا أن نطرحه مجدداً، ليس فقط على الإخوان، بل على شعبنا نفسه. من أين أتى هذا الشعب الذي، بعد أكثر من عامين من الحرب والدمار، ما زال لم يدرك أن الإخوان هم مهندسو هذه المأساة؟ شعبٌ يصطف في طوابير التكايا، ينتظر “البليلة العدسية”، وكأنها الإنجاز الأعظم الذي يمكن أن يطمح إليه. إن شعباً لم يستفق بعد من غيبوبة الخداع، ولم يدرك أن من يحتفلون بافتتاح تكيةٍ هم أنفسهم من أشعلوا نار الحرب، عليه أن يراجع نفسه مراتٍ ومرات.
إن الإخوان المسلمين، بسياساتهم المدمرة، لم يكتفوا بإفقار السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث جعلوا من دماء الشعب وأشلائه تجارةً مربحةً. يرفضون إيقاف الحرب، لا لشيء إلا لأن عودتهم إلى السلطة هي الشرط الوحيد الذي يقبلونه. إنهم يتاجرون بحراج البلاد، يبيعون الأمل الكاذب، ويوزعون وعوداً جوفاء مغلفةً بالدين والشعارات الرنانة. وفي خضم هذا الخراب، يقف الشعب في طوابير الذل، ينتظر لقمةً تُقدم له على أنها “إنجاز”، بينما الحلم الأكبر للحكام وللشعب على حد سواء أصبح افتتاح تكيةٍ تقدم العدسية.
أيها الشعب، استيقظ! إن سبب نكبة هذه الأمة ومأساتها ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج سياسات الإخوان المسلمين الذين جعلوا من البؤس تجارةً، ومن الكرامة سلعةً رخيصة. أيها المنتظرون في طوابير التكايا، أيها الذين أصبح حلمهم مجرد “حلة بليلة”، افيقوا! إن الحرب التي أكلت كرامتكم ومستقبلكم لن تتوقف ما دام هؤلاء يمسكون بزمام الأمور، وما دام الشعب يقبل أن يُساق إلى تكاياهم في ذلٍ وهوان. اللهم لا شماتة، ولكن الحقيقة يجب أن تُقال: إن شعباً يرضى أن يكون حلمه تكيةً تقدم العدس، عليه أن يراجع نفسه، وأن يستعيد كرامته، وأن يقاوم من يتاجرون ببؤسه ويصنعون من مأساته احتفالياتٍ كاذبة.
فلنستفق، ولنقل للإخوان ولأتباعهم: كفى ظلماً، كفى اتجاراً بالبؤس، كفى خداعاً. إن السودان يستحق أفضل من تكيةٍ، وشعبه يستحق أفضل من طوابير الذل. افيقوا، أيها الشعب، فقد حان وقت استعادة الكرامة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!