صراع السلطة في زمن الانهيار: من إقالة وكيل المالية إلى تهديد الانسحاب… هل تدخل سلطة بورتسودان التفكك؟
التنوير تقرير القسم السياسي

التنوير تقرير القسم السياسي
في بلدٍ تتآكل مؤسساته تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي، لم يعد الصراع مقتصرًا على جبهات القتال، بل تمدّد إلى داخل أروقة السلطة نفسها، حيث تتصاعد المواجهة بين رئيس وزراء سلطة بورتسودان، كامل إدريس، ووزير المالية، جبريل إبراهيم، في مشهد يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة السودانية. وبين قرارات الإقالة المفاجئة، والتحقيقات في ملفات فساد، والتصريحات السياسية الحادة، يتكشف صراع يتجاوز الأشخاص إلى جوهر السلطة والنفوذ في السودان.
بداية الشرارة: فساد الأسواق الحرة يفتح أبواب المواجهة
تشير مصادر متعددة داخل وزارة المالية إلى أن جذور الخلاف تعود إلى نقاشات محتدمة حول ملفات فساد داخل مؤسسة الأسواق الحرة، وهي من المؤسسات الاقتصادية الحساسة التي تدير موارد وعقودًا ضخمة. وكان وكيل وزارة المالية، محمد بشار، يشغل منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة بحكم موقعه.
دفعت هذه الملفات رئيس الوزراء كامل إدريس إلى اتخاذ خطوة حاسمة بفتح تحقيق شامل، وتشكيل لجنة برئاسة مدير الجمارك الفريق صلاح الشيخ. هذه الخطوة، التي بدت في ظاهرها محاولة لضبط الأداء المؤسسي، فُسرت في سياق أوسع باعتبارها بداية لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة الاقتصادية.
لكن منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد تحقيق إداري، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لحدود الصلاحيات بين رئاسة الوزراء ووزارة المالية.
قرار الإقالة: كسر التوازن داخل وزارة المالية
تفاقمت الأزمة عندما صدر قرار شفهي بإيقاف وكيل وزارة المالية عن العمل، دون الرجوع إلى وزير المالية جبريل إبراهيم، في خطوة اعتبرها كثيرون تجاوزًا واضحًا للأعراف واللوائح الإدارية.
جبريل إبراهيم لم يقف موقف المتفرج، بل رفض القرار عمليًا، ودعا الوكيل المقال إلى الاستمرار في أداء مهامه، في سابقة تعكس حجم التصدع داخل هرم السلطة. هذا التحدي العلني كشف أن الخلاف لم يعد مكتومًا، بل خرج إلى العلن في صورة صراع إرادات بين مؤسستين يفترض أن تعملا بتناغم.
لاحقًا، حُسم الأمر بقرار مكتوب صادر عن رئيس الوزراء بإقالة الوكيل، ما أعطى القرار طابعًا رسميًا، لكنه لم يُنهِ الخلاف، بل عمّقه.
توسع دائرة الصراع: إقالة كوكو وإعادة توزيع النفوذ
لم تتوقف قرارات كامل إدريس عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل إعفاء سيف الدولة سعيد كوكو، المفوض العام للصندوق الاستثماري للضمان الاجتماعي، وهو منصب يُنظر إليه كجزء من حصة حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم ضمن ترتيبات اتفاق جوبا.
ويُعد الصندوق أحد أكبر الأذرع الاقتصادية للدولة، إذ يدير شبكة واسعة من الأصول والمشروعات، ما يجعل السيطرة عليه مسألة ذات أبعاد استراتيجية. لذلك، فإن إقالة كوكو لم تُفهم كقرار إداري معزول، بل كخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم خارطة النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
هذه التطورات عززت قناعة لدى مراقبين بأن ما يجري ليس مجرد خلاف إداري، بل صراع على الموارد ومفاصل القرار الاقتصادي.
بين التكنوقراط والسياسة: صراع الرؤى أم صراع المواقع؟
يمثل كامل إدريس، في نظر أنصاره، نموذجًا تكنوقراطيًا يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية. في المقابل، يُعد جبريل إبراهيم زعيمًا سياسيًا يمتلك قاعدة تنظيمية ونفوذًا مستمدًا من اتفاقيات السلام، خاصة اتفاق جوبا.
هذا التباين يضع الطرفين في مسارين مختلفين: أحدهما يركز على إعادة هيكلة الدولة، والآخر يسعى للحفاظ على مكتسبات سياسية يعتبرها شرعية. وبين هذين المسارين، تتولد احتكاكات مستمرة، خاصة في ظل غياب إطار مؤسسي واضح ينظم العلاقة بين مراكز القرار.
وبالتالي، فإن الصراع لا يدور فقط حول قرارات بعينها، بل حول سؤال أعمق: من يملك السلطة الفعلية داخل الدولة؟
ذروة التصعيد: تهديد بالانسحاب الكامل من الحكومة
بلغت الأزمة ذروتها مع تصريحات جبريل إبراهيم التي حملت لهجة غير مسبوقة، إذ أكد تمسكه بما وصفه بالمكتسبات الدستورية التي لم يمنحها له لا البرهان ولا كامل إدريس، بل جاءت عبر ثورة ديسمبر واتفاق جوبا.
الأخطر من ذلك، إعلانه الصريح المضي في قرار الخروج من الوزارة، بل والانسحاب الكامل من الحكومة، مع التلويح بالانسحاب من المناطق الواقعة تحت سيطرة الطرف الآخر.
هذه التصريحات تمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة، إذ تنقلها من مستوى الخلاف الإداري إلى مستوى إعادة التموضع السياسي، بما يحمله ذلك من احتمالات تفكك التحالفات القائمة.
الاقتصاد في مهب الصراع: الخاسر الأول
في خضم هذه التطورات، يبدو الاقتصاد السوداني الخاسر الأكبر. فوزارة المالية، التي يفترض أن تكون مركز التنسيق الاقتصادي، أصبحت ساحة صراع، ما ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.
أي اضطراب في القرار المالي يعني تعثر السياسات، وتأجيل الإصلاحات، وتفاقم الأزمات المعيشية. المواطن، الذي يعاني من الغلاء وانعدام الخدمات، يجد نفسه مرة أخرى ضحية لصراعات النخبة.
وفي ظل غياب الاستقرار المؤسسي، تتراجع فرص التعافي الاقتصادي، ويتعمق الانهيار.
مآلات مفتوحة: تسوية مؤقتة أم انفجار شامل؟
المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات. قد يتم احتواء الخلاف عبر تسوية سياسية مؤقتة، تفرض هدنة بين الطرفين دون معالجة جذور الأزمة. وقد يتصاعد الصراع إلى حد إقالة أو استقالة أحد الطرفين، ما يفتح الباب لمزيد من الاضطراب.
لكن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحول هذا الصراع إلى نموذج متكرر داخل مؤسسات الدولة، حيث تتنافس المكونات المختلفة على النفوذ في بيئة تتسم بالسيولة.
وفي حال تحقق تهديد الانسحاب، فإن ذلك قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية، وربما تعميق الانقسام داخل السلطة نفسها.
خاتمة: الدولة أم الأشخاص؟
ما يجري بين كامل إدريس وجبريل إبراهيم ليس مجرد خلاف بين مسؤولين، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة في السودان. فحين تُدار المؤسسات بمنطق المحاصصة، وتغيب المرجعيات الواضحة، يصبح الصراع أمرًا حتميًا.
السودان اليوم لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى انتصار فكرة الدولة على منطق الأشخاص. يحتاج إلى مؤسسات قوية، شفافة، خاضعة للمساءلة، تعمل وفق برنامج وطني جامع.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يتعلم القادة من دروس الانهيار، أم يواصلون الصراع فوق أنقاض دولة تتآكل بصمت؟




