رأي

«تأسيس» بين الطموح والاختبار

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

ليست الشعارات ما يصنع الدول، بل القدرة على تحويلها إلى واقع

في لحظة سياسية توصف بالمفصلية، يطرح تحالف «تأسيس» نفسه مجددًا كأحد أبرز الفاعلين في المشهد السوداني، عبر حزمة من القرارات التنظيمية والتصريحات التي تعكس سعيًا واضحًا لإعادة ترتيب موازين القوى، وبناء مشروع متكامل يجمع بين العمل السياسي والعسكري. غير أن هذا الطرح، رغم زخمه، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قابلية هذه الرؤية للتحقق في واقع معقد ومتشابك.

ما صدر عن اجتماعات نيالا لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة السودانية، حيث تتداخل أبعاد الصراع الداخلي مع رهانات إقليمية ودولية، وتتقاطع الطموحات السياسية مع تحديات ميدانية قاسية. في هذا الإطار، تبدو تصريحات قيادة التحالف، وعلى رأسها محمد حمدان دقلو، محاولة لإعادة تعريف المرحلة، من خلال خطاب يجمع بين الحسم العسكري والطموح السياسي، تحت مظلة ما سُمّي بـ«مشروع التحرير الكامل».

هذا المشروع، كما قُدِّم، يقوم على مرتكزات كبرى: المواطنة المتساوية، النظام الفدرالي، إعادة بناء المؤسسات، وتأسيس جيش مهني موحد. وهي أهداف، في جوهرها، تتقاطع مع مطالب تاريخية في السودان، لكنها تصطدم في الوقت ذاته بإشكالية التنفيذ، خاصة في ظل غياب توافق وطني شامل، واستمرار الانقسام الحاد بين القوى السياسية والعسكرية.

اللافت في خطاب «تأسيس» هو هذا المزج بين البندقية والسياسة، حيث يُطرح العمل العسكري ليس كخيار اضطراري فحسب، بل كجزء من معادلة التغيير. هذه المقاربة تعكس قراءة خاصة لطبيعة الصراع، لكنها تثير أيضًا مخاوف مشروعة، إذ إن التجارب السابقة في السودان والمنطقة أظهرت أن عسكرة السياسة غالبًا ما تعقّد مسارات الانتقال، بدلًا من تسهيلها.

في المقابل، تحاول القرارات التنظيمية التي أُعلنت—من إجازة اللوائح، وتشكيل اللجان، واستكمال الهياكل—أن تعطي انطباعًا بوجود مؤسسية متنامية داخل التحالف. وهي خطوة مهمة من حيث الشكل، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة عملية تضمن الشفافية والكفاءة، وتُبعد العمل السياسي عن الشخصنة والارتجال.

كما أن اعتماد رؤية إعلامية وورقة للعمل الخارجي يشير إلى إدراك متزايد لأهمية الخطاب السياسي في كسب الشرعية، سواء داخليًا أو خارجيًا. غير أن هذا المسار يواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في فجوة الثقة، حيث لا تزال قطاعات واسعة من السودانيين تنظر بحذر إلى أي مشروع يرتبط بالقوة العسكرية، مهما كانت شعاراته.

اختيار نيالا كمسرح لهذه التحولات يحمل دلالات تتجاوز البعد الجغرافي، إذ يعكس محاولة لإعادة رسم مركز الثقل السياسي، وإبراز مناطق الهامش كمنصات لصياغة المستقبل. لكن هذه الرمزية، رغم أهميتها، تظل رهينة بمدى قدرة هذه المراكز الجديدة على إنتاج استقرار فعلي، لا مجرد خطاب سياسي.

وفي هذا السياق، يبرز دور شخصيات مثل عبد العزيز الحلو، الذي أشار إلى التقدم في بناء هياكل «حكومة السلام»، كجزء من محاولة توسيع قاعدة التحالف وإضفاء بعد سياسي أعمق على مشروعه. غير أن هذا التوسع يضع التحالف أمام اختبار إضافي، يتمثل في إدارة التباينات الداخلية، وتحويل التنوع إلى قوة، لا إلى مصدر صراع جديد.

في المحصلة، يمكن القول إن تحالف «تأسيس» يقف اليوم أمام فرصة وتحدٍ في آن واحد. الفرصة تكمن في قدرته على طرح رؤية متكاملة تستجيب لتطلعات جزء من الشارع السوداني، أما التحدي فيتمثل في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، في ظل بيئة سياسية وأمنية بالغة التعقيد.

فالسودان، الذي يقف على مفترق طرق حاسم، لا يحتاج فقط إلى مشاريع طموحة، بل إلى إرادة سياسية قادرة على بناء التوافق، وتقديم تنازلات متبادلة، ووضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة. وبين شعارات “التحرير الكامل” وأسئلة التنفيذ، يظل الحكم النهائي مرهونًا بالفعل لا القول، وبالنتائج لا النوايا.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا: الطريق إلى إعادة بناء الدولة لا يُعبد بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!