رأي

أفانينُ التفرقةِ وهشيمُ الفتنة : كيفَ أَعادت دولةُ 56 إنتاجَ (فَرِّقْ تَسُدْ)في أحشاءِ السودان؟

الكجنكي يكتب …

 

الكجنكي يكتب …

إنَّ التاريخَ لا يكررُ نفسَهُ في أرضِ السودانِ صدفةً، بل يُعَادُ إنتاجُهُ بكيدٍ ممتدٍّ وتخطيطٍ خبيث؛ فلم تكن سياسةُ “فَرِّقْ تَسُدْ” (Divide and Rule) مجرّدَ وثيقةٍ مطويةٍ في أرشيفِ المستعمرِ البريطانيّ الغاصب، بل كانت “الشجرةَ الخبيثةَ” التي غُرست أصولُها في تربةِ الحكم، ثُمّ ورثتها النخبةُ المركزيةُ التي تسنّمت عرشَ دولة 56..

لقد شربت تلك النخبةُ من مائها الآسن، واقتطفت من ثمارها المسمومة، لتجعلَ من إدارةِ التناقضاتِ الاجتماعيةِ وإشعارِ الحرائقِ الجانبيةِ ديدنَها الأكبرَ في الحفاظِ على سلطتها المتداعية.

فإرثُ دولة 56.. الخضوع واتّباعُ أهواءِ المستعمرِ وتقطيعُ الأرحام،،،

إذ لم تتشكل دولة 56 كدولةِ مواطنةٍ تسعى لرَفْأِ الخَرْقِ ولَمِّ الشَّعَثِ، بل قامت على عقيدةِ الهيمنةِ المقنّعة. واستصحبت الأدواتِ الاستعماريةَ ذاتَها عبر تعميقِ الشروخِ العرقيةِ والقبائلية، مستغلةً حالةَ الهشاشةِ في الأطرافِ والهوامش…

لقد طبّقت هذه النخبةُ القاعدةَ القرآ نيةَ في وصفِ أهلِ الفساد (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا)…فكانت كلما شعرت بدنوّ أظافر التغيير أو تكتّل القوى الحية ضد مركزيتها الاستبدادية، سارعت إلى نفخ الكير في العصبية الجاهلية، وضَرْبِ المكوناتِ الاجتماعيةِ بعضِها ببعض، كي يظلّ المجتمعُ مشغولاً بتَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى..

وكما أسلفنا ذكراً قبل سنوات أن دأبهم هو استنساخُ الفتنة.. تأليبُ القادةِ ضدّ مجتمعاتهم (موسى هلال والنور القبة أنموذجاً)وقد تنبأت بهذا الأمر مسبقاً كما هو ،،

إنّ ما يشهده المشهدُ الميدانيّ والسياسيّ اليوم يُعدّ الذروةَ في ممارسةِ هذا التفتيتِ الممنهج. فبدلاً من الاستجابةِ لصوتِ العقلِ وحقنِ الدماء، يعمدُ نظامُ دولة 56 وأجهزته الإستعمارية والأيدولوجيةُ والأمنيةُ إلى استقطابِ الرموزِ الاجتماعيةِ والعسكريةِ المؤثرة، وإعادةِ توجيهِ بوصلتها نحو أحشائها الداخلية.

وفي تحريض موسى هلال يتمّ استغلالُ الثقلِ العشائريِ والتاريخيِ للشيخ موسى هلال لتأليبه ضدّ بؤرته الاجتماعية ومحيطه الحاضن، في محاولةٍ مكشوفةٍ لشقّ الصفّ الأنيس وشغله بمعارك جانبية تُحرق الأخضر واليابس.

وتتكرر الأداةُ ذاتُها مع النور القبة، لدفعه ونُظرائه إلى مصادمةِ أهلهم ومجتمعاتهم، وتحويلِ البندقيةِ التي كان ينبغي أن تُحمى بها الديارُ إلى صدرِ الأخِ والعشير…

إنها السياسةُ الشيطانيةُ التي قال الله تعالى في نقدها وإدانةِ أربابها فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ،، حيثُ غدت دماءُ الأقرباء وشائجُ القربى قرباناً يُقدّم على مذبحِ استمرارِ سلطةٍ مركزيةٍ لا ترى في الإقليمِ وسكانه إلا حطباً لحروبها.

سوابقُ التمزّق.. درسُ تفتيتِ الحركاتِ المسلحة (الزغاوة مثالاً)

حين يسبق الكجنكيّ قبل سنوات في كشفِ أساليب النظام ليس بدعاً من القول، بل هو قراءةٌ لتاريخٍ قريبٍ معلوم. ألم تُمارس دولة 56 التكتيكَ ذاتَهُ لشقّ عصا الحركات المسلحة في مجتمعات الزغاوة من قبل؟

فمأساة التفتيت يُخَطَّط لها بِعنَاية فلقد عُمل بجهدٍ أمنيّ وشيطانيّ خبيث على النخر في عظام تلك الحركات مذ عهد (قرنق-الحلو-عقار) فزُرِعت الضغائنُ بين الرفاقِ والعمومة، وقُسِّمت التكتلاتُ الموحدة إلى فصائلَ ومحاورَ متناحرة. وكانت النتيجةُ أن اصطدم الأخُ بأخيه، وغرقت القضايا العادلةُ في شبرِ الخلافاتِ الذاتيةِ والقبائلية، مما أدى إلى إضعاف الشوكة، وصدق فيهم قوله عزّ وجلّ: «وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»

الكارثةُ المجتمعيةُ والمآلُ المظلم يبدو جلياً في حجمَ الفاجعةِ التي حلت بالسودان اليوم فلا يكمنُ فقط في تبديد العتادِ وتدميرِ البنى التحتية، بل في التدمير الممنهج للنسيج الاجتماعي؛ وهو الخرابُ الذي يصعُبُ ترميمه. إن استخدام نظام دولة 56 للقبائل والرموز الاجتماعية كأحجار شطرنج قد أوصل البلاد إلى حالةٍ من الشللِ الأخلاقيّ والوطني…

وتتجلى أبعاد هذه الكارثة في نقاطٍ حاسمة جوهرية بتحويل النزاع السياسي إلى اقتتال أهلي وتحويل الصراع حول السلطة والثروة إلى حربِ وجودٍ وقبيلة..وهو أخبث أنواع الحروب…

سقوط الحرمات والتمزق الأفقّي يَتْبْدَّي في تمزيق الإدارة الأهلية وجعلها أداةً لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون صمامَ أمانٍ لحقن الدماء.

عموم البلاء يحلُّ علينا وإنها الفتنة الكبرى التي حذر منها الحق سبحانه وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وهي إحدي مؤشرات الفوضي ما قبل الاقتلاع إذ تنعكس آثارها المدمّرة على الأبرياء والضعفاء والنساء والأطفال.

الخروجُ من الظلمات عبر التأسيس فإن السودان يمرّ بظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ..ولا خروجَ من هذه التيهِ إلا بوعيٍ جمعيّ يستبينُ السُّبلَ ويكشفُ خبايا المكر. على القياداتِ الاجتماعية، وفي مقدمتهم الشيخ موسى هلال والقائد النور القبة وكلُّ من يُرادُ دَفْعُهُ ليُصبح حطباً لهذه الموقدة، أن يدركوا أن سدنة دولة 56 لا يحفظون عهداً ولا يرقبون في مؤمنٍ ولا مواطنٍ إلاً ولا ذمة.

إن المخرجَ الوحيد يكمنُ في إلقاءِ سلاحِ الفتنةِ جانباً، وتفويتِ الفرصةِ على من يريدُ تمزيقَ ما تبقى من غزلِ الوطن، والاعتصامِ بالوعيِ والرحمِ الجامعة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فالحذرَ الحذرَ من أن تُساق الشعوبُ مجدداً إلى حتفها بظِلِّ راياتٍ جاهليةٍ صنعها المركزُ ليبقى.. وليذهب الوطنُ إلى الهلاك.

ولأن هذا مبتغاهم وما يضمرون 

فيسقتلعون ورب بكة سيقتلعون ،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!