رأي

٠حين تُباع الحياة بالاتصال

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

في زمن الفوضى، لا يُسرق منك ما تملك… بل يُباع لك حقك من جديد

في الحروب، لا تموت المدن فقط… بل تتغير معاني الأشياء. ما كان يوماً خدمةً عادية، يصبح سلعة نادرة، وما كان حقاً بديهياً، يتحول إلى امتياز يُشترى بثمن باهظ. هكذا تبدلت صورة الفضاء الرقمي في السودان، حيث لم يعد الإنترنت وسيلة اتصال، ولا التحويل المالي أداة تيسير، بل غديا شريانين للحياة يُداران بمنطق السوق السوداء.

مع انهيار شبكات الاتصالات التقليدية، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في عزلة رقمية خانقة، دفعتهم للبحث عن بدائل بأي ثمن. هنا برز الإنترنت الفضائي كطوق نجاة، لكنه سرعان ما تحول إلى بوابة احتكار جديدة. لم يعد الوصول إلى الشبكة مجرد خدمة، بل رحلة معقدة عبر سلاسل من الوسطاء والرسوم غير الرسمية، حيث تُفرض الإتاوات على الأجهزة، وتُضاعف تكلفة الاشتراك، وتُباع ساعات الاتصال كما تُباع السلع النادرة في زمن المجاعة.

لكن القصة لا تقف عند حدود الاتصال. فمع شح السيولة النقدية، تحولت تطبيقات التحويل البنكي إلى العمود الفقري للاقتصاد اليومي. غير أن هذا العمود لم يسلم من التشوه، إذ نشأت حوله شبكات موازية تتحكم في حركة الأموال، وتفرض أسعاراً وعمولات تتغير بلا ضوابط. لم يعد المواطن يتحكم في ماله، بل أصبح مضطراً لدفع نسبة من مدخراته فقط ليصل إليها.

في قلب هذه الفوضى، برزت ظاهرة “تجار الكاش”، حيث يُباع النقد كما لو كان سلعة مستقلة عن قيمته. يدفع المواطن رقماً رقمياً كاملاً، ليستلم جزءاً منه فقط، بعد اقتطاع عمولات قد تصل إلى ثلث المبلغ. إنها مفارقة قاسية: أن تدفع مالك لتتمكن من استخدام مالك.

الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الممارسات لم تعد مجرد استغلال فردي، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ العسكري. فالعائدات الناتجة عن هذه الخدمات لا تذهب فقط إلى الوسطاء، بل تتسرب إلى مراكز قوة تستفيد من غياب الرقابة، ما يجعل الاقتصاد الرقمي جزءاً من اقتصاد الحرب نفسه، لا مجرد ضحية له.

وفي ظل هذا الواقع، يتآكل ما تبقى من الثقة في المؤسسات المالية، وتتراجع قدرة المواطنين على التخطيط لحياتهم، بينما تتسع دائرة الهشاشة الاجتماعية. لم يعد التحدي هو كسب العيش فقط، بل الوصول إليه أصلاً. ولم يعد الخطر في فقدان المال، بل في فقدان القدرة على التحكم فيه.

إن ما يحدث ليس مجرد أزمة خدمات، بل إعادة تشكيل عميقة للعلاقة بين الإنسان وموارده الأساسية. حين تصبح التكنولوجيا أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتحرر، فإن المجتمع لا يفقد فقط بنيته الاقتصادية، بل يفقد أيضاً جزءاً من إنسانيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!