رأي

امتحان الشهادة السودانية في زمن الحرب: حقٌ معلق بين العدالة والنجاة في السودان

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في بلدٍ أنهكته الحرب وتداخلت فيه السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد امتحان الشهادة السودانية في السودان مجرد إجراء تعليمي، بل تحوّل إلى سؤال أعمق عن معنى الحق في التعليم ذاته: من يملكه؟ ومن يستطيع الوصول إليه؟ وكيف يمكن ثلاث اجيال كاملة أن يُقاس مستقبلهما في زمنٍ لا يضمن له حتى الوصول إلى قاعة الامتحان؟ في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، لا تبدو الورقة الامتحانية اختبارًا للمعرفة فقط، بل اختبارًا للوجود نفسه داخل نظام تعليمي يتآكل تحت ضغط الحرب والانقسام.

تكشف هذه الأزمة عن انتهاك ممتد وغير مباشر للحق في التعليم كما نصّت عليه المواثيق الدولية. فغياب الاستقرار، وصعوبة الحركة، وتفاوت السيطرة على الأرض، أدت إلى حرمان آلاف الطلاب من فرصة متكافئة للجلوس للامتحان. يحدث ذلك عبر قرار مباشر، وعبر سلسلة من العوائق اليومية: طريق غير آمن، مدرسة مغلقة، مركز امتحان بعيد، أو نزوح مفاجئ يقطع المسار الدراسي بالكامل. هكذا يتحول الحق إلى امتياز، والفرصة إلى احتمال نادر.

فالقضية تتجاوز الأرقام والإحصاءات. خلف كل طالب لم يتمكن من الجلوس للامتحان، هناك قصة حياة مؤجلة: أسرة علّقت آمالها على شهادة، طفل كان يقرأ تحت انقطاع الكهرباء، أو فتاة كانت ترى في التعليم طريقًا وحيدًا للخروج من دائرة الهشاشة. ومع تراكم الانقطاعات، لا يُفقد التعليم فقط، بل يُفقد الإحساس بالاستمرارية، ويُزرع شعور صامت بأن المستقبل نفسه أصبح غير مضمون.

وخاصة المناطق المتأثرة بالنزاع، أصبح الوصول إلى مراكز الامتحانات بحد ذاته تحديًا يتجاوز القدرة الفردية. التنقل بين المدن محفوف بالمخاطر، هجوم عشوائي بطائرات بدون طيار علي المدارس ودور العلم والمعرفة وقانون وجوة غريبة والحرمان من المستندات الرسمية التي عبرها الجلوس للامتحان وهدم البنية التحتية التعليمية تعرضت لضغط كبير، ما جعل العملية التعليمية بأكملها تعمل في حدود عدم الاستقرار. ومع كل دورة امتحانية، يتجدد السؤال حول إمكانية ضمان عدالة موحدة في سياق تتفاوت فيه شروط الحياة بشكل حاد بين منطقة وأخرى.

تطرح هذه الأزمة سؤالًا أعمق حول معنى العدالة في زمن الحرب: هل يمكن لمجتمع أن يتحدث عن تكافؤ الفرص بينما تتباين شروط الحياة إلى هذا الحد؟ وهل يبقى التعليم حقًا إذا كان الوصول إليه مرهونًا بالنجاة الجسدية أولًا؟ هنا لا يعود الامتحان مجرد أداة قياس، بل يصبح رمزًا لمدى قدرة المجتمع والدولة على الحفاظ على فكرة المصير المشترك وسط الانقسام ويظل طريق التفاوض والسلام هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار والازدهار والتنمية المستدامة للجميع في مختلف أنحاء السودان .

إن استمرار هذا الواقع في السودان لا يعني فقط خسارة سنوات دراسية، بل إعادة تشكيل غير معلنة للبنية الاجتماعية والمعرفية، حيث تتسع الفجوة بين من تمكنوا من الاستمرار ومن انقطعوا قسرًا. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى تفاوت في الفرص، ثم إلى تفاوت في الحياة نفسها، بما ينعكس على سوق العمل، والعدالة الاجتماعية، وحتى الاستقرار المستقبلي للبلاد.

وفي النهاية، يبقى امتحان الشهادة السودانية أكثر من ورقة وأسئلة. إنه مرآة لبلد يحاول أن يحافظ على فكرة التعليم في قلب العاصفة، وسؤال مفتوح عن مستقبل جيل يُطلب منه أن يثبت قدرته، بينما تُختبر قدرته أصلًا على البقاء داخل نظام لم يعد مستقرًا بما يكفي ليكون عادلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!