
مؤيد الأمين
في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للسخرية، خرج بعض قيادات الحركة الإسلامية السودانية ليعلنوا أن الأحزاب بلا استثناء هي سبب خراب السودان, المفارقة هنا ليست في الاتهام، بل في هوية المتهم نفسه, فالقائلون بهذا الكلام هم ذاتهم الذين حكموا البلاد عبر الحزب والتنظيم لعقود طويلة.
فكيف تتحول الأحزاب فجأة إلى أصل الأزمة، بعد أن كانت الوسيلة التي حكموا بها الدولة؟
الإجابة لا تكمن في مراجعة فكرية حقيقية، بل في إعادة تصميم المشروع السياسي و ما يجري ليس توبة سياسية وإنما عملية تغيير جلد محسوبة بدقة.
الحركة الإسلامية تدرك أن العودة عبر الأحزاب أصبحت شبه مستحيلة، فصورتها السياسية استُهلكت، وتجربتها في الحكم أصبحت عبئًا يصعب الدفاع عنه جماهيريًا. لذلك ظهر خطاب جديد يقوم على فكرة بسيطة ( شيطنة العمل الحزبي بالكامل) بما في ذلك المؤتمر الوطني نفسه والحركة الإسلامية ذاتها. الهدف ليس الاعتراف بالفشل، بل إغلاق الباب أمام الاحزاب المدنيين جميعًا.
عندما تُدان كل الأحزاب دفعة واحدة، يصبح البديل الوحيد المطروح هو “المؤسسة العسكرية” أي( الجيش.)
لكن الجيش هنا لا يُطرح باعتباره مؤسسة انتقالية، بل كقناة السلطة الوحيدة. وهنا تتضح الحلقة المفقودة في الخطاب الجديد. فخلال السنوات الماضية، جرت عمليات إحالة واسعة لضباط لا ينتمون إلى التيار الإسلامي، ترافقت مع إحلال وإبدال تدريجي داخل المؤسسة العسكرية. لم تكن تلك الإجراءات إدارية بحتة، بل أعادت تشكيل ميزان النفوذ داخل الجيش نفسه.
النتيجة أن التنظيم الذي فقد شرعيته الحزبية يسعى الآن لاستعادتها عبر مؤسسة يعتقد أنه أصبح صاحب التأثير الأكبر داخلها بل الذي يمتلكها كليا.
لهذا نرى التحول الإعلامي الواضح
الهجوم لم يعد موجّهًا لحزب بعينه، بل لفكرة الأحزاب ذاتها. الدعوة لم تعد لإصلاح السياسة، بل لإيقاف النشاط السياسي كله. وكأن المطلوب إفراغ المجال العام بالكامل، حتى لا يبقى سوى لاعب واحد في الميدان.
إنها معادلة سياسية قديمة بلباس جديد
إذا فشل الحزب… فليحكم الجيش.
وإذا حكم الجيش… حكم التنظيم من خلف الستار.
السخرية الكبرى أن الخطاب يُقدَّم باعتباره إنقاذًا للسودان من السياسة، بينما هو في الحقيقة محاولة لإعادة احتكار السلطة عبر مسار مختلف. فبدل أن يظهر الإسلامويون كحزب حاكم، يسعون للظهور كـ“ظل الدولة” نفسها.
الأمور تتكشف تدريجيًا. فالهجوم على الأحزاب ليس نهاية المشروع الإسلامي السياسي، بل مرحلته الجديدة مرحلة العودة عبر قناة واحدة فقط ،جيش منزوع التعددية السياسية لكنه مثقل بولاءات أُعيد تشكيلها بعناية.
وبينما يُطلب من السودانيين تصديق أن المشكلة كانت دائمًا في الأحزاب، يبدو السؤال الحقيقي أبسط بكثير
هل المشكلة في السياسة… أم في من يريدون حكم البلاد دون منافسة سياسية أصلاً؟




