
د.إخلاص قرنق
كاتبة وباحثة اجتماعية وحقوقية
كان السودانيون قديماً يقولون بفخر:
“الولد لو دخل المدرسة الحكومية بطلع دكتور ولا مهندس ولا أستاذ جامعة.”
كانت المدارس الحكومية مصنعاً حقيقياً للعلم والقيم والانضباط، وكانت داخليات الطلاب تجمع أبناء الغني والفقير تحت سقفٍ واحد، لا فرق بينهم إلا بالاجتهاد والذكاء.
اليوم تغيّر المشهد بالكامل…
وأصبح التعليم في السودان تجارة موسمية ضخمة، وأصبحت المدارس الخاصة أشبه بشركات استثمارية تتنافس على الأرباح أكثر من تنافسها على بناء الإنسان.
بعد إعلان نتائج الامتحانات بولاية الخرطوم، لم يشعر المواطن بأنه أمام مناسبة قومية تخص مستقبل الوطن، بل أمام مهرجان إعلاني ضخم لتجار التعليم.
كاميرات، رعايات، حملات دعائية، حافلات تجوب الشوارع، ساوند سيستم، أغانٍ حماسية، ومذيعون يصرخون بأسماء المدارس الخاصة وكأننا في سوق للمقاولات أو معرض سيارات.
أما المدرسة الحكومية…
فقد أصبحت في نظر كثير من الناس محطة للفقراء والمعدمين فقط.
مؤلم جداً أن تتحول مدارس السودان الحكومية، التي خرّجت الأطباء والعلماء والقضاة وقادة الدولة، إلى مبانٍ مهجورة أو فصول مكتظة بلا كراسٍ ولا معامل ولا كتب ولا حتى مياه شرب.
الطالب الفقير اليوم يدخل المدرسة الحكومية وهو يعلم مسبقاً أن فرصته أقل، وأن المنافسة غير عادلة منذ البداية.
مدرسة بلا كهرباء…
معلم مرهق ومحبط…
بيئة متهالكة…
وحصص ناقصة…
ثم يطلبون منه أن ينافس طالباً يدرس في مدرسة بمليارات الجنيهات، فيها تكييف وباصات ووجبات ومدرسون خصوصيون ومعامل حديثة!
أي عدالة هذه؟
لقد كان التعليم الحكومي السوداني يوماً منارة حقيقية للعلم في أفريقيا والعالم العربي.
مدارس مثل مدرسة خورطقت الثانوية ومدرسة حنتوب الثانوية ومدرسة خور عمر الثانوية ومدرسة الخرطوم الجديدة الثانوية بنين ومدرسة الخرطوم الجديدة الثانوية بنات ومدرسة رومبيك الثانوية لم تكن مجرد مبانٍ وفصول، بل كانت مصانع حقيقية لصناعة العقول والقيادات.
من داخل تلك المدارس خرج كبار علماء السودان ومفكريه وقادته، خرج منها عبد الله الطيب، وحسن الترابي، وفرانسيس دينق، ولام أكول أجاوين، وجعفر نميري، وغيرهم من مئات العلماء والأطباء والمهندسين الذين رفعوا اسم السودان في العالم.
ومن رحم التعليم الحكومي أيضاً برزت أسماء علمية كبيرة مثل وداد المحبوب التي وصلت إلى العالمية في مجال علوم الفضاء والفلك، ليؤكد ذلك أن المدرسة الحكومية السودانية كانت قادرة على صناعة المعجزات حين كانت الدولة تؤمن بالعلم وتحترم المعلم.
لكن السؤال المؤلم اليوم:
كيف تحولت تلك المدارس العريقة التي كانت تصنع العلماء والقادة إلى مدارس متهالكة يهرب منها الناس؟
وكيف أصبح الطالب الفقير يشعر أن مستقبله أقل قيمة فقط لأنه لا يملك رسوم مدرسة خاصة؟
الخطير في الأمر أن الدولة نفسها أصبحت تتعامل مع التعليم الحكومي وكأنه عبء يجب التخلص منه تدريجياً، بينما تُفتح الأبواب أمام الاستثمار الخاص بلا ضوابط حقيقية.
حتى الإعلام الرسمي أصبح يروج للمدارس الخاصة أكثر مما يدافع عن المدرسة الحكومية.
صرنا نرى الوالي والوزير يلتقطون الصور مع أصحاب المدارس الخاصة والطلاب المتفوقين، بينما لا أحد يزور مدرسة حكومية انهار سورها أو جلس طلابها على الأرض.
الحقيقة المؤلمة أن السودان لا يفقد التعليم فقط…
بل يفقد فكرة العدالة الاجتماعية نفسها.
حين يصبح التعليم الجيد حكراً على أبناء الأغنياء، فإن الوطن ينتج طبقتين:
طبقة تقود وتملك الفرص، وطبقة مهمشة تُترك للفقر والبطالة والانكسار.
والمصيبة الأكبر أن كثيراً من النوابغ والأذكياء يضيعون اليوم لأن أسرهم لا تملك رسوم المدارس الخاصة.
التعليم الحكومي ليس صدقة للفقراء…
بل هو مسؤولية دولة.
وهو صمام أمان المجتمع.
وهو الطريق الوحيد لصناعة وطن متوازن وعادل.
إذا انهارت المدرسة الحكومية، انهارت معها الطبقة الوسطى، وانهارت معها أحلام ملايين البسطاء.
السودان الذي كان يعلّم أفريقيا كلها، أصبح أبناؤه يبحثون عن مقعد دراسي كريم داخل وطنهم.
هذه ليست أزمة تعليم فقط…
بل أزمة ضمير دولة كاملة.




