
دكتور علي رباح

عندما نتأمل التجارب الإنسانية الملهمة، نجد أن القادة العظام لم يوجهوا نضالهم ضد فئات بشرية بعينها، بل ضد “البنى المنتجة للظلم” كما انهم لم يتبنوا شعارات محلية ضيقة، بل صاغوا قضاياهم بلغة عالمية يفهمها الضمير الإنساني ويتفاعل معها، مثل العنصرية، الاستعمار، والاضطهاد. نيلسون مانديلا لم يكن نضاله “ضد البيض”، بل كان ضد بنية “الأبارتايد” (نظام الفصل العنصري). أدرك مانديلا أن استهداف العرق سيقود لحرب أهلية، بينما تفكيك “البنية” سيحرر الظالم والمظلوم معاً. مارتن لوثر كينغ، لم تكن قضيته مجرد “حادثة حافلة مونتغمري”، بل كانت نضالاً ضد “بنية التمييز” التي تمنح الحقوق بناءً على لون البشرة. لم يصارع الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي كأشخاص، بل صارع القوانين التي تشرعن الدونية. الرسالات السماوية، قامت على قيم عظمى مثل التوحيد، الحرية، والعدل. لم تكن رسالة الأنبياء مجرد صراع شخصي مع “قريش” أو “الفراعنة”، بل كانت ثورة ضد منظومة الشرك والرق والقهر القائمة آنذاك.
يواجه السودان منذ عقود مثلثاً يعيق تقدم الدولة: العنصرية، الاستعمار الحديث، والنظم الشمولية. الدولة السودانية ليست متعثرة بسبب نقص الموارد، بل بسبب هذه المنظومة الثلاثية التي يغذي كل ضلع فيها الآخر؛ فالنظم الشمولية ما هي إلا “وكيل” للاستعمار الحديث و”حارس” للعنصرية البنيوية. ومع ذلك، يظل السودانيون منقسمين حول الأولويات. النخبة المركزية المدنية تختزل الصراع في إزالة “الأنظمة الشمولية” بينما قوى الكفاح المسلح تركز على إزالة “التهميش” (العنصرية). تلتقي القوتان نظرياً في الرغبة في التخلص من “الاستعمار الحديث”، لكن الواقع يشير لغير ذلك.
يبرز خطاب النخبة المركزية المدنية كخطاب مخادع؛ فهو يتماهى مع سلفه الشمولي في الحفاظ على البنية العنصرية للدولة والتبعية للاستعمار الحديث، ويسعى فقط لإزاحة حاكم اليوم والجلوس مكانه. هذا ما يمكن وصفه بسياسة «مشطوها بقملها»؛ حيث يُراد إعادة تصفيف (مشاط) الشعر «المقمل» دون تنظيفه، مما يعني استدامة الجرب. أو بمعنى آخر: «قطية شلعوها وبنوها بقشها»، أي إعادة بناء «القطية» بقشها القديم وحطبها المسوس. إن جميع الحكومات المدنية العاقبة للنظم الشمولية لم تغير البنية المنتجة للظلم. فثورة أكتوبر 1964 على سبيل المثال لا الحصر كانت شرارتها قضية الجنوب ، وحينما انتصرت تنكرت لمطلب الجنوب في الفيدرالية. لو انحازت للفيدرالية لكانت وضعت اللبنة الاولي في تفكيك بنية العنصرية . كان ايضاً بامكانها التخلص من بنية الاستعمار الحديث من خلال تطهير الخدمتين المدنية والعسكرية من وكلاء الاستعمار. ولكنها بكل اسف اختارت التطهير السطحي للخدمتين المدنية والعسكرية وعلى اثرها سارت بقية الثورات. ان ازالة السدنة أوالفلول المتماهين مع الثورة ولكنهم سدنة للعنصرية والاستعمار أولي من إزالة السدنة والفلول الوطنين حتي لو جاهروا بعدائهم للثورة.
في المقابل، يتمثل الخطأ الاستراتيجي لخطاب قوى الكفاح المسلح، قديماً وحديثاً، في انزلاقه خلف سرديات النخبة المركزية، مضافاً إليها شعار «المركز والهامش» وهو في جوهره مجرد «اسم دلع» للعنصرية. إن هذا الشعار يركز على الجغرافيا (مركز وهامش) ليُخفي الحقيقة العنصرية الصارخة، مما أدى لتمييع الصراع. هذا التمييع سمح للنخبة المركزية بتقديم حلول تجميلية (وزير من الهامش، مترين طريق مسفلت، قنصل في سفارة، تمثيل تضليلي في الكلية الحربية، الخ)، بينما تظل «البنية الذهنية العنصرية» التي تحكم الدولة كما هي؛ فالمشكلة ليست في «أين تسكن»، بل في «من أنت» في نظر الدولة. أن الانتقال من الفاشر إلى الخرطوم أو التحصيل الأكاديمي الرفيع والوضع الطبقي لا يضمن لك المساواة الكاملة ، طالما أن البنية العنصرية قائمة.
إن الخطاب الذي يركز على “العنصرية” و”الاستعمار الحديث” هو الأقوى استراتيجياً. الخطاب الحقوقي العالمي لا يستوعب الشعارات المحلية الضبابية مثل “المركز والهامش”، لكنه يفهم بوضوح مصطلحات “العنصرية” و”الاستعمار الحديث”؛ وهي الكفيلة بانتزاع التضامن الدولي وفرض التغيير العميق ، ولنا في تجربة جنوب أفريقيا عبرة؛ فقد حسموا قضية العنصرية بتكلفة بشرية أقل مما دفع السودانيون، لأنهم سمّوا الداء باسمه الصريح (Apartheid) دون مواربة، فنالوا تعاطف العالم وانخرط الجميع خلف قضية واضحة المعالم.




