رأي

نظرية السقوط الحر… حين يسقط الوطن من أعلى القيم إلى قاع الخراب

د.إخلاص قرنق

 

د. اخلاص قرنق 

في الحروب، لا تسقط القنابل وحدها…

تسقط الأخلاق، وتسقط المبادئ، وتسقط الأقنعة.

لكن أخطر أنواع السقوط هو ذلك الذي يحدث في وعي الناس، حين يصبح الخائن بطلاً، والقاتل منقذاً، وصاحب الكلمة الحرة متهماً بالخيانة والعمالة.

السودان اليوم يعيش ما يمكن تسميته بـ”نظرية السقوط الحر”، ذلك الانهيار المخيف الذي يحدث عندما تفقد الدولة توازنها الأخلاقي والسياسي والإنساني، فتبدأ بالسقوط دون قدرة على التوقف.

في هذا الزمن المقلوب، أصبح الشريف يُحاكم لأنه قال الحقيقة، وأصبح الوطني عميلاً لأنه رفض الحرب، بينما تُفتح الأبواب والأحضان لمن أشعلوا النار في الوطن ومزقوا أرواح الناس.

أي سقوط هذا؟

قائد جيش أقسم يوماً على حماية تراب الوطن ووحدة شعبه، ثم يخرج حديث الانفصال وتمزيق البلاد من داخل المؤسسة التي يفترض أنها حامية للوطن لا مقبرة لأحلامه.

أي مأساة أن يتحول السلاح الذي اشتراه الشعب لحمايته إلى أداة خوف فوق رؤوس المدنيين؟

الأسواق تُقصف، والمستشفيات تُستهدف، والأحياء تتحول إلى رماد، بينما المواطن البسيط لا يريد سوى النجاة بطفله ورغيفه وكرامته.

والأكثر وجعاً أن بعض الأصوات التي كان يفترض أن تكون ضميراً للناس، أصبحت طبولاً للحرب.

فنانون كان ينتظر منهم أن يغنوا للحياة، للمحبة، للسلام، صاروا يهتفون للموت والكراهية، وكأن الدم صار لحناً وطنياً جديداً.

بدلاً من أن تكون الأغنية جسراً بين السودانيين، تحولت عند البعض إلى بندقية معنوية تشحن الغضب وتزرع الحقد.

أما الإعلام، الذي يفترض أن يكون مساحة للعقل والحقيقة، فقد سقط بعضه في مستنقع التحريض.

أصوات تطالب علناً بالقتل والإبادة والانتقام الجماعي، وكأن السوداني لم يعد يرى أخاه السوداني إنساناً، بل عدواً يجب سحقه.

وحين يصل الخطاب إلى تبرير قتل الأمهات، وانتهاك النساء، وإبادة الشباب والشيوخ، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام انهيار كامل للضمير الإنساني.

الحرب الحقيقية ليست فقط في الميدان…

الحرب الأخطر هي تلك التي تُشن على إنسانية الناس، على قدرتهم في التفريق بين الحق والباطل، بين الوطنية والانتقام، بين الدولة والعصابة.

السودان لا يسقط بسبب الرصاص وحده، بل بسبب هذا الانحدار الأخلاقي المرعب الذي جعل البعض يحتفل بالموت، ويصفق للخراب، ويتاجر بدماء الأبرياء باسم الوطنية.

التاريخ علمنا أن الأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تُحمى بالإبادة، ولا تُدار بالعطش للدم.

وكل من يزرع نار الفتنة اليوم، سيكتشف غداً أن الحريق لا يعرف الأسماء ولا القبائل ولا الشعارات.

في لحظات السقوط الحر، يتمسك العقلاء بما تبقى من إنسانيتهم، لأن الوطن حين يفقد الرحمة يفقد مستقبله كله.

السودان يحتاج إلى أصوات توقف هذا الجنون، لا أصوات تزيد اشتعاله.

يحتاج إلى من يداوي الجراح، لا من يوزع الكراهية على المنابر والشاشات والأغاني.

فالبلاد التي يتحول فيها السلام إلى تهمة، والرحمة إلى ضعف، والقتل إلى بطولة…

هي بلاد تقف على حافة الهاوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!