رأي

حين تتحول السفارات إلى بوابات إذلال

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

في أكثر المشاهد قسوةً وانحداراً، لم تعد الحرب في السودان تكتفي بابتلاع المدن، وتشريد الأسر، وسحق الأحلام تحت ركام البنادق، بل تمددت أياديها حتى إلى دفاتر التلاميذ وحقائب الطلاب، لتلاحقهم خارج الحدود، وتمنعهم حتى من حق الجلوس إلى مقاعد الامتحانات.

ما جرى في أوغندا ليس حادثة إدارية عابرة، ولا سوء تنظيم يمكن تجاوزه بالاعتذار أو التبرير، بل فضيحة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان، تكشف كيف تحولت بعض المؤسسات التي يفترض أن تمثل السودانيين جميعاً إلى أدوات فرز وإقصاء وتمييز، تُدار بعقلية الحرب والكراهية نفسها التي أحرقت البلاد.

أن يُمنع طلاب لاجئون من أداء امتحاناتهم بعد رحلة نزوح ومعاناة وفقر ولجوء، فهذا ليس مجرد قرار قاسٍ، بل جريمة معنوية ضد جيل كامل يحاول النجاة بالتعليم من خراب الوطن. هؤلاء الطلاب لم يأتوا إلى قاعات الامتحانات من بيوت مستقرة أو مدن آمنة، بل خرجوا من المعسكرات ومناطق النزوح حاملين ما تبقى من حلم صغير اسمه “المستقبل”. لكن حتى هذا الحلم بدا أنه يزعج سلطة اعتادت أن ترى السودانيين درجات وطبقات وانتماءات، لا مواطنين متساوين في الحقوق.

الأخطر من الواقعة نفسها، أنها تعكس العقلية التي تدير كثيراً من المؤسسات المرتبطة بسلطة بورتسودان؛ عقلية تعتبر الخدمة حقاً سياسياً يُمنح للموالين، لا واجباً تجاه جميع السودانيين. ولهذا لم يعد مستغرباً أن يشعر آلاف اللاجئين والنازحين بأنهم غرباء حتى داخل سفارات بلادهم، وأن تتحول البعثات الدبلوماسية من بيوت وطنية جامعة إلى جزر مغلقة تحتكرها جماعات وأيديولوجيات وتنظيمات بعينها.

إن التمييز ضد الطلاب القادمين من مناطق الحرب ليس مجرد سلوك فردي، بل انعكاس مباشر للخطاب الذي غذّى الانقسام والكراهية طوال سنوات، حتى أصبحت الجهوية أداة عقاب جماعي، وأصبح أبناء الهامش مطالبين في كل مرة بإثبات أنهم يستحقون الحياة والتعليم والكرامة.

والمؤلم أن هذه الممارسات تحدث بينما يقف السودان على حافة أكبر كارثة إنسانية في تاريخه الحديث. ملايين الأطفال خارج المدارس، ومئات الآلاف يعيشون في معسكرات النزوح، فيما يُفترض أن يكون التعليم آخر خطوط النجاة الوطنية، لا ساحة جديدة للانتقام السياسي والاجتماعي.

إن الأوطان لا تسقط فقط بالحروب، بل تسقط حين يصبح الطفل اللاجئ عدواً، وحين تتحول ورقة الامتحان إلى بطاقة فرز، وحين تُدار مؤسسات الدولة بعقلية الجماعة لا بعقلية الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!