رأي

عملة تنهار ودولة تتآكل

علي أحمد

يشهد السودان واحداً من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية أرقاماً فلكية، متجاوزاً حاجز الألفي جنيه في بعض المدن، فيما تشتعل الأسواق بأسعار جنونية للسلع والخدمات، تاركة المواطن فريسة للهشاشة واليأس. لكن هذا الانهيار لا يمكن عزله عن السياق الأوسع: تفكك الدولة، وتحلل المؤسسات، وفقدان السيطرة على الموارد والمعابر والنقد.

السبب الجوهري لهذا الانهيار النقدي هو غياب الدولة، بكل ما تعنيه الكلمة. فوزارة المالية والبنك المركزي وبقية الأجهزة التنظيمية المعنية بالاقتصاد، لم تعد تملك تأثيراً فعلياً في ظل الحرب القائمة. ومع شلل المؤسسات، لم تعد هناك سياسات نقدية أو مالية تضبط السوق أو تنظم الطلب على العملة الصعبة.

في ذات السياق، أدّى توقف الإنتاج – الزراعي والصناعي على حد سواء – إلى فقدان البلاد لمصادر دخلها من الصادرات. لا قطن من الجزيرة، ولا ذرة من القضارف، ولا مواشٍ من كردفان، ولا ذهب من دارفور يمر عبر القنوات الرسمية. كل شيء إما توقف أو يُهرّب. ومع غياب هذه الموارد، يتقلص المعروض من العملات الأجنبية، بينما تزداد الحاجة للاستيراد، فيختل الميزان التجاري اختلالاً كاملاً.

ما يزيد الطين بلة، أن الكتلة النقدية في السوق تتزايد بوتيرة مخيفة نتيجة الطباعة غير المغطاة للنقود، وهي وسيلة تلجأ إليها السلطات العسكرية أو الميليشيات لتمويل عملياتها أو شراء الولاءات. هذه الزيادة في الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي أو احتياطي تعني تضخماً متسارعاً، وانهياراً في قيمة الجنيه.

من ناحية أخرى، تتكامل أزمة النقد مع أزمة الثقة. لم يعد المواطنون يثقون في الجهاز المصرفي أو في قدرة الدولة على حماية مدخراتهم، فاتجهوا إلى الذهب والدولار والعقارات كملاذات آمنة. هذا السلوك يفاقم من الضغط على العملة، ويحول المضاربة في السوق الموازية إلى لعبة يومية. بل إن الأسواق نفسها لم تعد تتعامل بمنطق اليوم، وإنما بمنطق “سعر الغد”، تحسباً للمزيد من التدهور.

وللفساد نصيب وافر من هذا المشهد. فشركات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق أو بالحرب الدائرة تستفيد من الفوضى عبر تهريب الذهب والمضاربة بالعملة، بعيداً عن أعين القانون الذي غاب، أو ربما مات.

أما الأخطر، فهو ما يمكن تسميته بـ”السيولة الأمنية والسياسية”، حيث تفرض مجموعات مسلحة جباياتها الخاصة، وتسيطر على أجزاء من الاقتصاد، وتتصرف كما تشاء في غياب أي ضوابط. في مثل هذا الواقع، تصبح العملة بلا قيمة، والاقتصاد بلا مرجعية، والمواطن بلا سند.

ما يحدث للجنيه السوداني ليس ظاهرة نقدية فحسب، بل عرضٌ لانهيار الدولة في أوضح تجلياته. ما لم يُوضع حد لهذه الحرب، وتُستعاد مؤسسات الدولة، وتُبنى الثقة، فإن القادم أسوأ، لا فقط للعملة، بل للبلد كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!