
نجم الدين دريسة يكتب
تتحرك الدولة السودانية اليوم في جوف مأزق وجودي لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو نتاج مباشر لتراكم خطايا هيكلية صنعتها مؤسسة عسكرية تم تصميمها لحماية نخب المركز لا صيانة تراب الوطن. إن ما تشهده الساحة الآن من فظائع وانتهاكات طالت المدنيين العزل، ليس سوى تجلٍّ حتمي لعقيدة قتالية فاسدة ترى في الهامش الجغرافي والثقافي عدواً دائمًا يجب إخضاعه، لا شريكاً في الوطن والمصير. ولم تعد هذه الحقائق حبيسة التستر المحلي، بل أصبحت موثقة في أدراج المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية التي، برغم صمتها المريب أحياناً، تدرك أدق تفاصيل هذا التدمير الممنهج.
إن القراءة الفاحصة لسبعة عقود من تاريخ السودان الحديث تكشف عن حقيقة دامغة: هذه المؤسسة لم تكن يوماً جيشاً قومياً يمثل التنوع السوداني الفريد، بل ظلت ذراعاً باطشة لاحتكار العنف والسلطة والثروة. لقد تجلت هذه العقيدة الإقصائية في أبشع صورها عبر مجازر تاريخية متصلة، من حرب الجنوب التي حصدت ملايين الأرواح، إلى الإبادات الممنهجة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. إنها مسيرة طويلة من تحويل السلاح الذي اشتُري بأموال الكادحين إلى صدورهم، لضمان استمرار الامتيازات التاريخية لقلة متنفذة أدمنت العيش على دماء المستضعفين وهدر كرامتهم.
وعندما تداعت الشعوب السودانية المهمشة عبر وعيها المتجدد لتأسيس دولة حديثة تقوم على العدالة والمواطنة، جن جنون دولة الامتيازات فاستدعت كل تحالفاتها الإقليمية المسمومة لإنقاذ عروشها المتهاوية. لقد تحول هذا الجيش إلى واجهة لتنفيذ أجندات محاور خارجية لا تريد للسودان عافية ولا استقراراً، بل تسعى لإبقائه حديقة خلفية لنهب الموارد وتعطيل الطاقات الشبابية الحية. إن هذا الارتهان الفاضح للخارج يدحض كل السرديات الزائفة التي حاولت الآلة الإعلامية للمركز غرسها في الوعي الجمعي لعقود، لتسويق هذه الآلة العمياء كحامٍ للسيادة الوطنية والدستور.
وفي هذه الحرب المدمرة التي أشعلها فلول النظام البائد لإجهاض مكتسبات الثورة الشعبية، بلغ السلوك البربري ذروته عبر القصف الجوي العشوائي للأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات، وتدمير ما تبقى من بنية تحتية. إن استهداف منطقة “طرة” بأسلحة محرمة دولياً ومجازر التصفية على أساس الهوية والسحنة، يقدمان دليلاً قاطعاً على أننا أمام عقيدة تفوق بشاعتها ما شهدته أعتى حقب الإبادة الجماعية في التاريخ المعاصر. وما خفي في أقبية المعتقلات ومناطق الظل أشد نكراً، وهو ما يؤسس لحملات غضب شعبي عارم لن تبقي ولن تذر.
تتكامل هذه المأساة مع تواطؤ سلبي ومخزٍ لبعض منظمات المجتمع المدني والنخب التقليدية التي ارتبطت مصالحها عضوياً بالدولة الموروثة عن المستعمر، فباتت تروج لحلول واهية تحت مسمى “الإصلاح وإعادة الدمج”. إن هذه الدعوات الانهزامية ليست سوى محاولة يائسة لتجميل وجه القبح، وتمديد عمر نظام الامتيازات الفاشل الذي أورث البلاد الخراب. والمفارقة المؤلمة تكمن في اصطفاف بعض الحركات المسلحة، التي دعت يوماً للتغيير، في خندق الجلاد ذاته، لتتحول بلا وعي إلى بنادق مأجورة تطلق النار على شعوبها التي ادعت النضال من أجلها.
بناءً على هذه المعطيات الموضوعية، يصبح تفكيك هذا الجيش بتركيبته الحالية وعقيدته الإقصائية ضرورة حتمية لا تقبل المساومة أو التأجيل، إذ لا يمكن بناء سودان مدني ديمقراطي على قواعد عسكرية مهترئة. إن البديل التاريخي الذي يملكه “تحالف السودان التأسيسي” هو المضي قدماً نحو تأسيس جيش قومي حقيقي يعكس التنوع الإثني والثقافي، ويراعي الثقل السكاني، وتقتصر مهامه على حماية الحدود والدستور. إن إرادة الشعوب السودانية بالغة مقاصدها مهما تعاظم التآمر، وولادة السودان الجديد تشترط كنس هذه المؤسسة المختطفة وإلقاءها غير مأسوف عليها في مذبلة التاريخ.




