رأي

صندل.. رجل الدولة حين تتقدّم الخدمة على الشعارات

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

ليست القيادة أن ترفع صوتك فوق الناس، بل أن تنحني لهم لتسمع حاجتهم

    في زمنٍ اختلطت فيه الشعارات بالمواقف، وكثرت فيه الخطب وقلّ العمل، يبرز الدكتور سليمان صندل حقار بوصفه واحداً من القيادات السودانية التي اختارت طريقاً صعباً: طريق الانحياز لقضايا الناس، لا لمنابر السلطة؛ وللهامش، لا لمركزٍ ظلّ طويلاً يحتكر القرار والثروة والاعتراف.

لم يكن صندل سياسياً عابراً في مشهد مضطرب، بل رجل تجربة طويلة تشكّلت بين القانون والعمل العام والنضال السياسي والمؤسسي. عرف معنى الدولة من داخل مؤسساتها، وعرف معنى الظلم من خارج أسوارها، ولذلك جاءت مواقفه أكثر التصاقاً بفكرة التغيير الجذري وبناء دولة المواطنة المتساوية.

ومنذ أن أُسندت إليه وزارة الداخلية في حكومة السلام، بدا واضحاً أنه لا يتعامل مع المنصب بوصفه وجاهة سياسية، بل مسؤولية خدمية مباشرة تمس حياة المواطنين اليومية. فالداخلية ليست وزارة أمنية فحسب؛ إنها وزارة المجتمع، والسجل المدني، والطمأنينة العامة، وحماية الحقوق، وبناء الثقة بين الدولة والناس.

ما يميز صندل أنه قليل التنظير كثير الحركة. يلتقي القيادات الأهلية، يستمع للمجتمعات، يتحاور مع المكونات المحلية، ويدرك أن تأسيس وزارة داخلية فاعلة لا يبدأ من المكاتب المغلقة، بل من فهم احتياجات الناس ومخاوفهم وانتظاراتهم. لذلك فإن حضوره وسط المجتمعات ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل جزء من فلسفة عمل ترى أن الأمن الحقيقي يولد من العدالة والاعتراف والخدمة.

لقد انحاز صندل مبكراً لفكرة أن أزمة السودان ليست في الأشخاص وحدهم، بل في بنية دولة قديمة أنتجت التهميش، واحتكرت السلطة، ووزعت الحقوق على أساس القرب من المركز. ومن هنا جاءت رؤيته للجمهورية الثانية، لا كشعار سياسي، بل كمشروع لإعادة بناء الدولة على عقد اجتماعي جديد، ودستور عادل، ومؤسسات قومية لا تعمل ضد المواطن بل من أجله.

في تجربة صندل ما يستحق التوقف: رجل جاء من خلفية قانونية وشرطية وسياسية، لكنه لم يقع في فخ الغلظة أو الاستعلاء. ظلّ محتفظاً بقدر لافت من البساطة والصرامة في آنٍ واحد؛ بساطة في التعامل، وصرامة في الموقف. وهذه معادلة نادرة في السياسة السودانية التي أنهكتها الشخصنة، وأضعفتها المزايدات، وبددت طاقتها في الصراعات الصغيرة.

ومهما اختلف الناس حول المواقف السياسية والتحالفات، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرجل ظل ثابتاً في معادلة أساسية: لا عودة إلى دولة الإقصاء، ولا شرعية لحرب تعيد إنتاج الماضي، ولا مستقبل للسودان دون عدالة انتقالية، ومواطنة متساوية، وإعادة بناء حقيقية للجيش والشرطة والأمن والخدمة المدنية.

إن أهمية صندل داخل تحالف السودان التأسيسي لا تنبع فقط من موقعه التنظيمي، بل من قدرته على الربط بين الفكرة والمؤسسة. فمشروع التأسيس لا ينجح بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن بناء المؤسسات أصعب من إسقاط الخطابات، وأن خدمة المواطن هي الاختبار الحقيقي لأي سلطة جديدة.

ولعل وزارة الداخلية، في ظرف الحرب والانقسام والتشظي، تمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً. فهي تحتاج إلى عقل قانوني، وحس سياسي، وقدرة اجتماعية على التواصل مع المجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، تبدو تحركات صندل واجتماعاته مع القيادات الأهلية والمجتمعية محاولة لوضع لبنات أولى لبنية مؤسسية راسخة، تستند إلى التشاور لا الفرض، وإلى الشراكة لا الوصاية.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى زعماء يكتفون بوصف الأزمة، بل إلى قيادات تذهب نحو الناس وتعمل وسط الركام. ولا يحتاج إلى أصوات عالية بقدر حاجته إلى إرادات صادقة. وفي هذا المعنى، يقدّم صندل نموذجاً لسياسي يعرف أن التغيير ليس قصيدة حماسية، بل عمل يومي صبور، يبدأ من السجل المدني، ومن الأمن المحلي، ومن احترام المواطن، ومن بناء الثقة في الدولة.

ولذلك يستحق الدكتور سليمان صندل الإشادة، لا بوصفها مجاملة سياسية، بل تقديراً لمسار رجل اختار أن يعمل في واحدة من أصعب اللحظات السودانية. رجل آمن أن دولة العدل لا تُبنى بالخطابات وحدها، وأن الهامش لا ينتصر بالشعور بالغبن فقط، بل ببناء مؤسسات عادلة، قوية، وشفافة.

إن القبعات تُرفع لمن يعمل حين يكثر المتفرجون، ولمن يسمع حين يعلو الضجيج، ولمن يضع لبنة في جدار الدولة الجديدة بينما ينشغل آخرون بتوزيع الاتهامات. وسليمان صندل، في هذا المنعطف، يبدو واحداً من أولئك الذين قرروا أن يكونوا في جهة الفعل، لا في جهة الكلام.

دريسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!