
إسماعيل عبدالله
في الحروب الكبرى لا تُقصف المدن وحدها، بل تُكسر حياة البشر بصمتٍ قاسٍ عبر تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها مدمرة في أثرها. ومن بين أكثر المآسي التي يعيشها السودانيون اليوم خارج بلادهم، مأساة فقدان الحق في الوثائق الثبوتية، وتحول جواز السفر من حق قانوني وإنساني إلى أداة حصار وعقاب سياسي.
لقد وجدت نفسي شخصياً في قلب هذه التجربة المؤلمة، حين انتهت صلاحية جواز سفري، بينما حرمتني سلطة بورتسودان من حقي الطبيعي في التجديد، لأدخل بعدها في دوامة قانونية وإنسانية بالغة القسوة. فبانتهاء الجواز، تعذر عليّ تجديد الإقامة، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى توقيفي من قبل السلطات في دولة الإمارات العربية المتحدة وإيداعي السجن بسبب الوضع القانوني المرتبط بالإقامة.
كانت لحظات ثقيلة وقاسية لا يمكن وصفها بسهولة؛ شعور الإنسان بالعجز وهو يرى حياته وأسرتَه ومستقبلَه معلقاً بورقة رسمية مُنع عنها ظلماً، هو أحد أكثر أشكال الانكسار النفسي إيلاماً. لكن وسط هذه المحنة، تجلت المواقف الإنسانية النبيلة بصورة لا تُنسى.
لقد لعب كفيلي دوراً عظيماً ومحورياً في احتواء الأزمة ومعالجة الموقف، وتحرك بمسؤولية وإنسانية عالية حتى تم تجاوز هذه المحنة. ومن هنا أتقدم له بخالص الشكر والتقدير والامتنان، على موقف سيظل محفوراً في الذاكرة والوجدان.
كما لا يمكن الحديث عن معاناة السودانيين بالخارج دون الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي ظلت تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة تجاه السودانيين منذ اندلاع الحرب. فقد تعاملت الإمارات، قيادةً وشعباً ومؤسسات، بروح إنسانية عالية مع أوضاع السودانيين المقيمين على أراضيها، وسعت إلى معالجة الكثير من التعقيدات المرتبطة بالإقامة والأوضاع الإنسانية، في وقت كانت فيه آلاف الأسر السودانية تواجه أوضاعاً استثنائية بالغة الصعوبة.
ولم يقتصر الدور الإماراتي على استضافة السودانيين وتخفيف معاناتهم، بل امتد إلى تقديم مساعدات إنسانية وإغاثية ضخمة للسودان، تُعد من بين الأكبر منذ اندلاع الحرب، شملت الغذاء والدواء والإيواء والدعم الإنساني في مناطق عديدة تضررت من النزاع.
غير أن الأزمة الأساسية تبقى قائمة، وهي أن آلاف السودانيين باتوا مهددين بفقدان أعمالهم واستقرارهم ومستقبل أسرهم بسبب التعقيدات المرتبطة بإصدار وتجديد الجوازات. وهذه قضية لا تحتمل المماطلة أو التسييس، لأنها تمس حق الإنسان في الحياة الكريمة قبل أي شيء آخر.
إن مسؤولية أي سلطة وطنية تبدأ من حماية مواطنيها، لا تحويلهم إلى ضحايا للملاحقة والحرمان. فالسوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح لا ينبغي أن يُعاقب مرة أخرى في المنافي بسبب وثيقة يفترض أنها حق أصيل له لا منحة تُمنح أو تُمنع وفق المزاج السياسي.
لهذا فإن معالجة ملف الجوازات والأوراق الثبوتية أصبحت ضرورة وطنية وإنسانية عاجلة، لأن الأوطان لا تُبنى بإذلال مواطنيها… بل بصون كرامتهم أينما كانوا.




