
عمار سعيد
في السياسة، هناك لحظات فارقة تحدد مستقبل الدول، وتكشف حقيقة تحالفات القوى الإقليمية والدولية. ما رفضه سرا الفريق عبدالرحيم دقلو للمصريين هو بالضبط ما وقّع عليه الفريق عبدالفتاح البرهان علنًا، وبذلك منح القاهرة ما كانت تطمح إليه منذ عقود: ضمان تبعية السودان لمصر، وعدم خروجه عن طوعها في أي ظرف من الظروف.
هذا التنازل، الذي يمكن وصفه بـ”التفريط في السيادة الوطنية”، كان ولا يزال أحد أهم المطالب المصرية من أي سلطة في الخرطوم. وهو ليس مجرد اتفاق أو تفاهم، بل هو إطار استراتيجي يجعل السودان أشبه بـ”الحديقة الخلفية” لمصر، تتحكم في قراراته الكبرى، وتضبط مساره السياسي والاقتصادي والأمني بما يتوافق مع مصالحها.
جذور الرؤية المصرية للسودان
منذ عهد محمد علي باشا، نظرت مصر إلى السودان باعتباره جزءًا من مجالها الحيوي. وعبر التاريخ، اتخذت القاهرة من ملف الأمن المائي للـنيل ذريعة لبسط نفوذها جنوبًا. ومع تعاقب الأنظمة، بقيت هذه الرؤية راسخة، وإن تغيرت أدواتها من الاحتلال العسكري المباشر إلى النفوذ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.
بعد استقلال السودان عام 1956، لم تتخلّ مصر عن طموحها في الإبقاء على الخرطوم تحت جناحها، سواء عبر تحالفات مع أنظمة عسكرية موالية، أو من خلال اتفاقات أمنية واقتصادية تجعل القرار السوداني مرهونًا بالموافقة المصرية.
ما بين عبدالرحيم دقلو والبرهان
رفض عبدالرحيم دقلو، وفق ما تسرّب من معلومات، توقيع أي اتفاق يُفرّط في السيادة السودانية أو يمنح مصر يدًا طولى على ملفات استراتيجية مثل:
•إدارة الحدود وخاصة ملف حلايب وشلاتين.
•التعاون الأمني والاستخباراتي الذي يسمح بتواجد مصري أعمق في الداخل السوداني.
•التحكم في مسارات السياسة الخارجية السودانية، خصوصًا تجاه دول الجوار وملف سد النهضة.
في المقابل، مضى البرهان في الطريق المعاكس، فوقع على ما يُرضي القاهرة، الأمر الذي رسّخ موقف مصر الداعم له سياسيًا ودبلوماسيًا، ومناهضًا لقوات الدعم السريع في كل المحافل الدولية.
لماذا تتمسك مصر بالبرهان؟
هناك عدة أسباب تجعل القاهرة تعتبر البرهان خيارًا مثاليًا:
1.الالتزام الكامل بالشروط المصرية، بما فيها عدم إثارة ملف حلايب وشلاتين.
2.التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي يضمن لمصر مراقبة التحركات في السودان، خصوصًا في البحر الأحمر والحدود الجنوبية.
3.الموقف من سد النهضة، حيث تميل القيادة العسكرية السودانية الحالية إلى الاصطفاف مع الموقف المصري ضد أديس أبابا.
4.الخشية من بروز قيادة سودانية مستقلة القرار، كما يمكن أن يكون الحال مع قيادات الدعم السريع التي تسعى لعلاقات خارجية أكثر تنوعًا.
الانعكاسات على المشهد السوداني
إن استمرار مصر في دعم الجيش السوداني بقيادة البرهان ليس مجرد مسألة تضامن “دول جارة”، بل هو جزء من معادلة إقليمية ترى في السودان ملفًا أمنيًا بالدرجة الأولى، وليس دولة ذات سيادة متساوية في الحقوق.
هذا التوجه قد يعمّق الانقسام الداخلي، ويطيل أمد الحرب، لأن أي مشروع وطني يستعيد القرار السوداني المستقل سيتعارض مباشرة مع المصالح المصرية.
القضية ليست مجرد توقيع أو رفض اتفاق، بل هي معركة بين مشروعين:
•مشروع التبعية: حيث يقبل السودان بأن يكون ملحقًا بالقرار المصري.
•مشروع الاستقلال: حيث يحتفظ السودان بسيادته الكاملة وقراره الوطني الحر.
وما بين هذين المشروعين، تحدد مواقف القيادات السودانية، ويُبنى التحالف الإقليمي والدولي، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن في أمنه واقتصاده ومستقبله.




