بين بابنوسة ونيالا .. تفاصيل لقاء الأستاذ طارق التوم .. حين تصبح الصحافة مدرسة للحياة
أحمد حسن حجر

احمد حسن حجر: نيالا
في مسيرة الإنسان ، هناك لقاءات عابرة ، وهناك لقاءات تُشكل وعياً جديداً وتترك أثراً لا يُنسى. وكان لقائي بالأستاذ طارق التوم (العمدة) في شارع الكنقو ـ بالعاصمة الإدارية ـ نيالا ، واحداً من تلك اللحظات التي تُضاف إلى الذاكرة المهنية والإنسانية بكل فخر وامتنان.
العمدة … صاحب القلم ، والرجل الذي ظل يكتب منذ اندلاع حرب 15 أبريل، متنقلاً بين مختلف القضايا والملفات الإعلامية ، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون جبهةً أخرى من جبهات الوطن.
لقائي به لم يكن مجرد جلسة عابرة ، بل كان حلقة جديدة في مسيرتي المهنية ، لأن لقاء أهل الصحافة والمعرفة هو جزء من رحلة الوعي التي يمر بها الإنسان في حياته ، خاصة حين تلتقي بمن يحمل تجربة حقيقية صنعتها المواقف والتحديات.
أتذكر جيداً أيام محور عمليات تحرير الفرقة 22 بابنوسة ، حين كان الأستاذ طارق دائم السؤال عن أحوالنا ، يحفزنا بالصبر ، ويدعمنا بالكلمة ، ويساندنا في كتابة الأخبار والتقارير ، مؤمناً بأن الإعلامي الميداني لا يصنعه المكتب ، بل تصنعه المواقف الصعبة والميادين المفتوحة.
تعلمت منه معنى العطاء الحقيقي ، وكيف يكون الإنسان إعلامياً ميدانياً متكاملاً ، خاصة في ظل غياب التيم الكامل وصعوبة الظروف. كان دائماً يقول لي:”اعتبر نفسك المراسل والمصور والمحرر في آنٍ واحد”
وكانت هذه الكلمات تمنحني طاقة إيجابية ، وتُخفف عني الشعور بالضعف أو انتظار الآخرين ، وتدفعني للاعتماد على النفس وصناعة التجربة بإرادة قوية.
وبعد طول انتظار ، جمعنا اللقاء أخيراً في شارع الكنقو بمدينة نيالا ، تلك المدينة التي تختزن الحكايات والوجوه والذكريات. تبادلنا أطراف الحديث والضحكات ، واكتشفت مرة أخرى أن الأستاذ طارق ، رغم خبرته الطويلة وسنه المتقدم ، لا تزال روحه تُلامس روح الشباب ؛ يقرأ أفكارنا ، يمازحنا ، ويمنحنا من خبرته في الحياة والصحافة ما يجعل الجلسة مدرسةً كاملة في المعنى والتجربة.
وفي لحظة جميلة لا تُنسى ، اصطحبني إلى سوق الملجة ، حيث تناولنا واحدة من أجمل الوجبات وسط تفاصيل الحياة البسيطة والعفوية ، كعادة أهل الصحافة الذين يختارون الأماكن الأكثر واقعية وقرباً من الناس.
وكان للموقف طعمه الخاص حين استطاعت الحاجة صاحبة المحل ، ومن النظرة الأولى ، أن تدرك أنني أزور نيالا للمرة الأولى ، بل وتميز بين إنسان دارفور وكردفان بطريقة عفوية وملهمة ، تؤكد أن الإنسان ابن بيئته ، تحمل ملامحه وعاداته وتفاصيله الصغيرة أينما ذهب.
كانت لحظة مليئة بالقيم والمعاني الإنسانية الجميلة… لحظة تؤكد أن الصحافة ليست مجرد مهنة بل حياة كاملة تُبنى على العلاقات الصادقة ، والمواقف النبيلة ، والناس الذين يتركون أثراً جميلاً في الطريق.
فلك منا يا أستاذ طارق التوم كل الدعوات بالحفظ والرعاية، وأن تبقى دائماً صاحب كلمة حرة، وروح ملهمة، وقامة صحفية نفتخر بها في كل زمان ومكان.




