رأي

لعنة الثائر ونهاية المفكر

اسماعيل عبد الله

 

إسماعيل عبد الله

     تم اعدام الفيلسوف سقراط باثينا بجرعة من السم، لم يتنازل عن أفكاره وذهب الى دار الغياب ايماناً منه أنه قد كرس حياته من اجل البحث عن الحقيقة ، هكذا هم أصحاب الفكر الحر المستقل لا أنظمة تحميهم ولا مجتمعات تقف معهم يدفعون فاتورة ابداء الرأي وحدهم، يجابهون اعتى ترسانات الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية وأنظمة القمع والسحل والخوزقة، في سوداننا المنكوب بالحرب وقف الشهيد محمود محمد طه كالطود أمام جلاديه وقدم مرافعته الشهيرة أمام المحكمة التي وصفها بأنها تفتقر الى المهنية والأخلاق و أفحم قضاة السلطان واثبت لهم أن ما طرحوه لا يمت الى شرع الله بصلة، لم يتنازل ولم يبدل تبديلا، ذهب شامخ الرأس ثابت الخطوات نحو المقصلة مقدماً أشجع درس عرفته الأمة السودانية لرجل حمل الفكر والقلم ولم يحمل المسدس ولا المدفع 23، هكذا هي نهاية المفكرين النابتين من الأرض المعشعش على سطحها الجهل والفساد وشذاذ الآفاق، قيل أن ميشيل عفلق ملهم دولتي البعث – في العراق والشام توفي في غرفة صغيرة بمنزل ابنته بإحدى بلاد الغرب لاجئاً، وايقونة النضال الوطني تشي جيفارا وشى به راعي الأغنام الذي ثار من أجل كرامته جيفارا نفسه، وعنترة ين شداد ختم حياته أعمى بإطلاق سهم على صدره، هكذا شر بلية من يحمل الشجاعة والاقدام الفكري لللذود عن العرض ينتهي بيد أهون الناس وأذلهم، صدام حسين رقص أمام مقصلته بغاث الطير الذين كانوا يرتعدون لسماع صوته من التلفاز، هكذا هم أنصاف الرجال وأشباههم.

قيل أن بعض الذين أشفقوا على حال الشيخ حسن الترابي وهو مسجون بأمر تلامذته ذهبوا لعلي عثمان محمد طه نائب الرئيس وطلبوا منه أن يفسح للرجل الثمانيني مجالاً للراحة والاسترخاء والطعام بمعتقله لأنه واهن العظم ومشتعل شيب الرأس، فكان رده أنه اذا وجد صحن فول أمام شيخه لسحبه منه وحرمه الطعام، هكذا يكون الحقد على من يقول أرى وافتكر وأعتقد، فالحرب الحقيقية هي حرب الفكر والمفكرين، والأمة التي تحارب حملة الرأي لن تقوم لها قائمة بين الأمم والشعوب، انظر الى دعاة الظلام كيف يصبون جام غضبهم على حملة ألوية الطرح المدني الديمقراطي، ولا ينبسون ببنت شفة حول عسف العسس القتلة الجائلين بين الناس بالطلق الناري والموت الزؤام، انها معادلة الخراب الذي استشرى بسبب تبجيل العنف وتعطيل اللطف، اجتاحت الشباب نعرات القسوة والعنف ورفع رايات الذبح والسلخ، وتراجعت دعوات العودة للهيكل الذي بنيت عليه الأمة، هيكل الخلق والأخلاق والهمة والنشاط وحب العلم والعلماء، أينما توافد الجبناء الى بهو ديوان الحكم أحالوا اوطانهم الى ركام من سقط المتاع، ذات السيناريو القديم الجديد لأحوال نهايات الامبراطوريات والممالك والحكومات، الأعراض هي الأعراض والأمراض هي الأمراض، تنسخها الاقدار ثم تلصقها لتعيد انتاج الخزي والعار.

القوة الفكرية هي صانعة المجد والحضارة، فلنحفظ منتوجنا الفكري ولنعمل على تبجيل حامليه لنعبر جسر العقبة الكؤود، ولنلملم اطراف الرأي والفكر لنحفظ رأس المال من الانقراض وسط هذه الرياح الهوجاء من الجهل والتشظي واتباع الظلام، فالبيت بحاجة لرأس الحكمة لأن رؤوس أهله ولوا لذلك بدا لهم من الناس الجفاء، العكاز وحده لا يكفي لإنجاز المهمة والسيف وحده ليس أكثر صدق من القرطاس والقلم، والخيل وحدها لا تستبين الطريق في البيداء المظلمة المدلهمة بالخطوب، يلزمها فكر هاد ورأي دال على طريق الرشاد، دون ذلك لن تتحسس الأمة مواضع اقدامها على الجادة، كتاب “فن الحرب” لكاتبه الفيلسوف الصيني ” سون تزو” ألهم الحكومات والامبراطوريات واقسام الموارد البشرية بالشركات والمؤسسات، مؤكداً ومثبتاً مبدأ “إقرأ” ديدننا نحن، فهلا أمسكنا بالمقود الذي اضعناه قرون من الزمان، وحالنا كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول، ومهما علا صوت فرقعات الرصاص التي يعشقها المراهقون تبقى همسات الفكرة هي الأكثر نحتاً على الصخر مثل انجراف الماء الخرير على الجلمود فيحدث فيه الاختراق اللطيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!