
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في السياسة السودانية، لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة، بل تغيّر جلدها كلما اقتربت من حافة السقوط.
تبدّل الوجوه، تتغير اللغة، تتوسع المظلات، وتُفتح أبواب الحوار في اللحظة التي تشعر فيها أن موازين القوة بدأت تتحرك بعيداً عنها.
ولهذا فإن التعامل مع دعوة البرهان الأخيرة للحوار باعتبارها مجرد انفتاح سياسي، يبدو تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً.
ما يحدث أقرب إلى محاولة لقطع الطريق أمام تحالفات بدأت تتكوّن خارج قبضة الدولة العميقة.
ليس بهدف إنهاء الحرب، بل لاستعادة السيطرة على المشهد قبل أن تتشكل مراكز قوة جديدة يصعب احتواؤها.
هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها السلطة في السودان سياسة “الالتفاف الناعم”.
فالبشير كان بارعاً في هذا الأسلوب. كلما اشتد الضغط، طرح مبادرات تبدو تصالحية بينما غايتها الحقيقية كسب الوقت، تفكيك الخصوم، وإعادة ترتيب التحالفات بما يمنحه هامش بقاء أطول.
الفرق الآن أن الحرب نفسها غيّرت شكل النفوذ داخل السودان وخارجه، ولذلك أصبحت المناورات السياسية أكثر حساسية وتعقيداً.
ولهذا فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله أي قوة سياسية صاعدة، هو التعامل مع الخطوة باعتبارها مجرد خطاب للاستهلاك السياسي.
فالسلطة حين تضعف، لا تعتمد فقط على القوة، بل على قدرتها في رسم المجال الذي يتحرك فيه خصومها.
ما يجري الآن يشبه إلى حد بعيد اعتصام القصر الجمهوري قبل إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر.
فالهدف الحقيقي لم يكن الاعتصام، بل خلق واقع سياسي جديد ينقل الصراع من مواجهة بين شارع وسلطة، إلى صراع بين قوى مدنية متنازعة.
ومن هناك خرجت الكتلة الديمقراطية كأداة لإعادة خلط الأوراق، وتهيئة المناخ لتحركات لاحقة ظهرت وكأنها محاولة “لتصحيح المسار”، بينما كانت في حقيقتها إعادة توزيع لموازين القوة داخل السلطة نفسها.
اليوم يُستخدم الأسلوب ذاته لكن بصورة أكثر هدوءاً.
توسيع المظلة السياسية، استدعاء بعض القوى المدنية، فتح أبواب الحوار، وتحريك التناقضات داخل الإسلاميين. كلها خطوات تهدف إلى منع تشكل مركز سياسي جديد خارج سيطرة المؤسسة القديمة.
لكن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد بهذه الطريقة لن تمر بلا ارتدادات خارجية.
فالتحالفات الإقليمية والدولية التي دخلت الملف السوداني خلال الحرب لم تدخل لتشهد في النهاية مركز سلطة يستعيد الانفراد بالمشهد بعد كل هذا التحول في موازين النفوذ.
ولهذا فإن أي التفاف ناعم تحت غطاء “الحوار” أو “الانفتاح السياسي” سيقابله تحرك مضاد بأدوات مختلفة. عبر الحلفاء المحليين، أو إعادة تنشيط الأجسام السياسية، أو توسيع التناقضات داخل المعسكر الواحد، أو عبر الضغط الدولي وملفات الشرعية.
فالولايات المتحدة لا تنظر إلى السودان فقط كملف حرب، والإمارات لا تتحرك بمنطق العاطفة، كما أن بقية القوى الإقليمية تدرك أن شكل السلطة بعد الحرب سيحدد مستقبل النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي كله.
ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع هذا الالتفاف، ليست الرفض العاطفي، ولا القبول المجاني، بل كسر الإطار الذي تريد السلطة فرضه على الجميع.
أي قوة تريد تغيير المعادلة فعلاً، يجب ألا تدخل أي حوار بوصفها تابعاً داخل مشروع الدولة القديمة، بل كصاحبة مشروع سياسي مستقل، قادر على فرض شروطه، لا انتظار الشروط التي تُفرض عليه.
فالسلطة لا تدعو للحوار لأنها قررت التخلي عن نفوذها، بل لأنها تخشى تشكل واقع سياسي لا تستطيع التحكم فيه بالكامل.
كما أن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه القوى الجديدة، هو أن تجعل كل تحركاتها مبنية فقط على رد الفعل تجاه البرهان أو الإسلاميين.
لأن ذلك وحده كافٍ لتحويلها من لاعب سياسي إلى جسم يتحرك وفق إيقاع خصومه.
المعركة الحقيقية الآن ليست حول من يجلس إلى الطاولة، بل حول من يحدد شكلها.
ومن يملك تعريف الشرعية، ومن يحدد من هو الوطني، ومن هو الخطر.
في السودان، السلطة لا تخاف من المعارضة الضعيفة، بل من أي مشروع قادر على الخروج من القواعد القديمة التي ظل الصراع يتحرك داخلها لعقود.
لكن الفارق هذه المرة، أن السودان بعد الحرب ليس هو السودان الذي عرفته مراكز القوة القديمة.
فالحرب، مهما كانت قسوتها، غيّرت شكل السلطة، وكسرت احتكار القرار، وأعادت توزيع النفوذ السياسي والعسكري والاجتماعي بصورة يصعب معها العودة إلى الصيغة القديمة كما كانت.
ولهذا فإن أي محاولة للالتفاف الناعم، أو إعادة ترتيب المشهد بنفس الأدوات القديمة، ستصطدم بحقيقة أن البلاد نفسها تغيّرت، وأن الأطراف التي كانت تُدار من الهامش أصبحت اليوم جزءاً من معادلة لا يمكن تجاوزها أو اختصارها داخل غرف التسويات التقليدية.
ربما لا يرى هذا التحول إلا من يقرأ ما يجري ببصيرة سياسية، لا بعين الحنين إلى الدولة القديمة.
أما من يتجاهله، سواء بدافع المصالح أو تحت ضغط التهديد والخوف، فسيظل يظن أن السودان ما زال قابلاً للعودة إلى ما قبل الحرب، بينما الواقع يتحرك في اتجاه مختلف تماماً.
فالسؤال الآن لم يعد
كيف تستعيد السلطة شكلها القديم
بل
كيف سيتعايش الجميع مع سودان خرج من الحرب بميزان قوة جديد، ووعي جديد، ومراكز تأثير لم تعد تقبل العودة إلى الصفوف الخلفية.




