بين التكتيك الحربي والمناورة السياسية: دعوة البرهان للحوار الداخلي.. كلمة حق أُريد بها باطل
عماد جدو

عماد جدو
في خطوة لم تفاجئ المتابعين للشأن السوداني، أطلق رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، الجنرال عبد الفتاح البرهان، دعوة متأخرة للحوار “السوداني-السوداني” في الداخل. وهي الدعوة التي استقبلتها الأوساط السياسية والشعبية بالكثير من الريبة، واعتبرتها الغالبية العظمى “كلمة حق أُريد بها باطل”، تندرج تحت ذات الأساليب والمناورات السياسية التي باتت معلومة للقاصي والداني، وخبرتها القوى الإقليمية والدولية على حد سواء.
لقد تأكد المجتمع الدولي، عبر سلسلة من التجارب المريرة، أن كافة الأطروحات والمبادرات التي يقدمها البرهان، والشروط التعجيزية التي يضعها مع كل بارقة أمل للسلام، مبنية على “التكتيك” السياسي والمماطلة وشراء الوقت. ثمة أطروحة واحدة فقط يطرحها البرهان وتتسم بالصدق التام والجدية: أطروحة استمرار الحرب.
الحصار الإقليمي والدولي وشروط “فك الارتباط”
أمام هذه المماطلة المستمرة، حاصرت المبادرات الإقليمية والدولية البرهان بطرح واضح ومحدد لا لبس فيه، يرتكز على خروج العساكر تماماً من الفعل السياسي، وتكليفهم بمهام محددة وواضحة، يأتي في مقدمتها:
فك الارتباط الكامل مع الحركة الإسلامية: والتي باتت تُصنف لدى الكثير من الدوائر الإقليمية والدولية كتنظيم يغذي الصراع ويمعن في تمزيق البلاد.
القبض على قادة النظام البائد: أولئك الذين أُطلق سراحهم من السجون مع اندلاع حرب 15 أبريل 2023، وتحولوا سريعاً إلى المخطط والمنفذ والوقود الحقيقي لاستمرار هذه الحرب الكارثية.
مسارات الحل: من المنامة إلى الواقع
تستند المبادرات الدولية المختلفة (الرباعية والخماسية) إلى مرجعية أساسية وهي مباحثات المنامة، التي أثبتت جديتها عندما جلس طرفا النزاع مباشرة؛ الجيش ممثلاً بالجنرال شمس الدين الكباشي، وقوات الدعم السريع ممثلة بعبد الرحيم دقلو.
وقد وضعت تلك المباحثات بنوداً صارمة التزم بها الطرفان، شملت:
القبض على قادة النظام السابق.
السيطرة على الميليشيات والكتائب التي تقاتل تحت راية الجيش بدواعي “معركة الكرامة”.
التزام قوات الدعم السريع بالخروج من الأعيان المدنية والالتزام بوقف إطلاق النار.
هذه التفاهمات تقود مباشرة إلى تقسيم الحل عبر مسارات واضحة وحاسمة:
المسار الإنساني: ويتمثل في إيصال المساعدات العاجلة للسودانيين والسودانيات في كافة مناطق البلاد، سواء الواقعة تحت سيطرة الجيش أو الدعم السريع. وهو مسار تتولاه بالكامل منظمات الأمم المتحدة والوكالات الدولية والإقليمية والوطنية، وليس للجيش أو الدعم السريع أي سلطة أو حق في التدخل في هذه العملية الإنسانية.
المسار السياسي (العملية السياسية): وهو مسار منفصل تماماً عن المسارين العسكري والإنساني. حددت الأطراف العسكرية فيه بالجيش (الذي لا يضم الإسلاميين) والدعم السريع، بينما تُركت العملية السياسية وإدارة مستقبل البلاد للقوى المدنية، وهي ليست بأي حال من الأحوال من مهام أو أولويات البرهان.
جغرافيا السيطرة.. هل يملك البرهان “الداخل”؟
لكن، وكعادة البرهان في طرح ما يربك المشهد السياسي كلما ضاق عليه الخناق، جاءت دعوته لحوار “في الداخل”. والداخل السوداني اليوم ليس كما كان؛ إذ ينقسم ديموغرافياً وجغرافياً إلى شقين:
شق حكومة السلام: وهو الحليف لقوات الدعم السريع، ويمثل الكتلة الأكبر من حيث المساحة الجغرافية والتعداد السكاني الحاضن للمدنيين.
شق حكومة الأمر الواقع (حكومة الأمل): والتي تقع تحت سيطرة تحالف البرهان، وهي الأقل مساحة وسكاناً في ظل موجات النزوح المستمرة.
فإذا كان الداخل يميل جغرافياً وبشرياً لغير صالح تحالف بورتسودان، فمع من يريد البرهان الحوار في الداخل؟ وعن أي سودانيين يتحدث؟
أمام هذا المشهد المعقد، يعود إلى الأذهان المثل السوداني الدارج للتساؤل: “هل البرهان حافظ لوحه؟”.. هل يعي قائد الجيش حجم الالتزامات والتعهدات الصارمة التي قطعها أمام المجتمع الدولي والإقليمي؟ أم أن الدعوة لحوار داخلي ليست سوى قنبلة دخان جديدة للتنصل من استحقاقات “المنامة” والهروب من استحقاق فك الارتباط مع النظام البائد، والإصرار على المضي بالبلاد نحو حافة الهاوية عبر أطروحة الحرب المستمرة؟
الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كان المجتمع الدولي سيسمح بمرور هذه المناورة الجديدة، أم أن حصار المبادرات سيجبر الجميع على وضع حد للمأساة السودانية.




