تقارير وتحقيقات

خارطة الطريق أم الفرصة الأخيرة؟.. القوى المدنية السودانية تطرح وصفة الخروج من الحرب وبناء الدولة من جديد

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

 

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

وثيقة إعلان المبادئ تضع إنهاء الحرب على ثلاثة مسارات متوازية: الإغاثة ووقف النار والتسوية السياسية.. وتفتح النقاش حول جذور الأزمة ومستقبل 

 

في لحظة سياسية وإنسانية بالغة التعقيد، وبينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع مخلفة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، طرحت قوى إعلان المبادئ السوداني وثيقة سياسية جديدة تحت عنوان “خارطة الطريق: طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة”، في محاولة لتقديم رؤية متكاملة تخرج البلاد من دائرة الحرب والانهيار إلى أفق السلام والاستقرار والتحول الديمقراطي.

وجاءت الوثيقة في أعقاب اجتماعات موسعة عقدتها القوى السودانية الرافضة للحرب في العاصمة الكينية نيروبي، بمشاركة تحالفات سياسية وأحزاب وقوى مدنية وشخصيات عامة، ضمن مسعى لتوحيد الرؤى حول كيفية إنهاء الصراع ومعالجة تداعياته المتفاقمة.

ولا تطرح الوثيقة نفسها باعتبارها مجرد مبادرة لوقف إطلاق النار، بل كإطار سياسي شامل يسعى إلى معالجة الأسباب العميقة للأزمة السودانية التي تراكمت على مدى عقود، وانفجرت بصورة أكثر عنفاً مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.

الحرب بوصفها نتيجة لا سبباً

تنطلق خارطة الطريق من رؤية تعتبر أن الحرب الحالية ليست الأزمة في حد ذاتها، وإنما نتيجة لأزمات بنيوية وسياسية وتاريخية ظلت تتراكم داخل الدولة السودانية منذ الاستقلال، دون أن تجد معالجات جذرية ومستدامة.

وبحسب هذا التصور، فإن اختزال الأزمة في المواجهة العسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع لا يكفي لفهم المشهد السوداني، لأن جذور الصراع تمتد إلى قضايا الحكم والهوية والتنمية وتوزيع السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

ولهذا السبب تؤكد الوثيقة أن أي تسوية تقتصر على الجوانب العسكرية أو الأمنية ستظل معرضة للانهيار ما لم تترافق مع عملية سياسية واسعة تعالج الاختلالات التاريخية التي قادت إلى النزاعات المتكررة في السودان.

أولوية إنقاذ الإنسان السوداني

وضعت الوثيقة الملف الإنساني في مقدمة أولوياتها، انطلاقاً من حجم المأساة التي يعيشها ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.

فالحرب أدت إلى نزوح ولجوء أعداد غير مسبوقة من السكان، وتسببت في انهيار الخدمات الأساسية، وتعطيل العملية التعليمية، وتراجع الخدمات الصحية، واتساع نطاق الفقر والجوع وانعدام الأمن الغذائي.

وتدعو خارطة الطريق إلى فتح الممرات الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون قيود أو عراقيل، وتوفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني، وتأمين عودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة.

كما تشدد على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، باعتبارها متطلبات ضرورية للحفاظ على تماسك المجتمع ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية.

هدنة اليوم تمهد لسلام الغد

في الجانب الأمني، تنظر الوثيقة إلى وقف إطلاق النار باعتباره المدخل الطبيعي لأي عملية سياسية جادة.

وتقترح البدء بهدنة إنسانية عاجلة تسمح بإيصال المساعدات وحماية المدنيين، على أن تتطور لاحقاً إلى وقف دائم وشامل للأعمال العدائية.

كما تدعو إلى وقف العمليات العسكرية الهجومية وتجميد القوات في مواقعها الحالية، ومنع استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والبنية التحتية، إلى جانب إنشاء آليات مستقلة للرقابة والتحقق من تنفيذ الاتفاقات.

وترى القوى الموقعة على الوثيقة أن نجاح أي اتفاق لوقف إطلاق النار يتطلب وجود ترتيبات واضحة لمنع الانتهاكات والتصعيد، وتأسيس هياكل مشتركة لمراقبة الالتزام بالاتفاقات المبرمة.

السياسة تعود إلى الواجهة

ربما يمثل الجانب السياسي أكثر أجزاء الوثيقة طموحاً، إذ تدعو إلى إطلاق عملية سياسية سودانية واسعة تقودها القوى المدنية وتشارك فيها المكونات الوطنية المختلفة.

وتقوم هذه العملية على فكرة أن الحرب كشفت عن أزمة عميقة في بنية الدولة السودانية، وأن المطلوب ليس فقط إيقاف القتال، بل إعادة بناء العقد الاجتماعي والسياسي الذي يحكم علاقة السودانيين بدولتهم.

وتؤكد الوثيقة أن العملية السياسية يجب أن تستند إلى مبادئ الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة والسلام واحترام حقوق الإنسان.

كما تشدد على أهمية بناء مؤسسات حكم قادرة على إدارة التنوع السوداني وتحقيق التوازن بين مختلف الأقاليم والمكونات الاجتماعية والسياسية.

ملفات مؤجلة تعود إلى الطاولة

من أبرز ما يميز الوثيقة أنها لا تتجنب القضايا الخلافية التي ظلت لعقود من أبرز أسباب الانقسام السياسي في السودان.

فهي تطرح للنقاش ملفات العلاقة بين الدين والدولة، وشكل نظام الحكم، وقضايا الهوية والمواطنة، وإصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

كما تتناول قضايا النازحين واللاجئين وحقوق الأراضي وإدارة الموارد الطبيعية، باعتبارها ملفات جوهرية لا يمكن بناء سلام مستدام من دون التوصل إلى تفاهمات وطنية بشأنها.

وترى الوثيقة أن هذه القضايا يجب أن تُناقش ضمن عملية سياسية شاملة تستند إلى الحوار والتوافق الوطني، بعيداً عن الإقصاء أو فرض الرؤى الأحادية.

من يشارك ومن يُستبعد؟

حددت الوثيقة بصورة واضحة طبيعة القوى المشاركة في العملية السياسية المقترحة، مؤكدة أنها عملية مدنية في المقام الأول.

كما نصت صراحة على استبعاد الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وواجهاتهما السياسية والتنظيمية، باعتبارها جزءاً من القوى التي ارتبطت بالأزمة السودانية وأسهمت في الوصول إلى الوضع الراهن.

وفي المقابل، تدعو إلى مشاركة القوى المدنية والوطنية والمجتمعية التي تعكس التنوع السوداني وتتبنى مشروع إنهاء الحرب وبناء الدولة الديمقراطية.

أما بالنسبة للأطراف العسكرية، فقد حصرت الوثيقة دور القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في المسارين الإنساني والأمني، مع ترك إدارة العملية السياسية للقوى المدنية.

بين الطموح والتحديات

ورغم شمولية الرؤية التي تطرحها خارطة الطريق، فإن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرتها على التحول من وثيقة سياسية إلى مشروع قابل للتنفيذ على أرض الواقع.

فالحرب ما تزال مستمرة، والاستقطاب السياسي والعسكري لا يزال حاداً، كما أن الوصول إلى توافق وطني واسع حول القضايا المطروحة لن يكون مهمة سهلة.

ومع ذلك، تمثل الوثيقة واحدة من أكثر المحاولات السياسية تفصيلاً منذ اندلاع الحرب، لأنها لا تكتفي بالدعوة إلى وقف القتال، بل تحاول رسم تصور متكامل لشكل الدولة السودانية بعد الحرب.

وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار النزاع وتفاقم تداعياته الإنسانية، تضع خارطة الطريق سؤالاً جوهرياً أمام السودانيين: هل يمكن تحويل المأساة الحالية إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أم أن البلاد ستظل أسيرة دوامة الحروب والأزمات المتكررة؟

ذلك السؤال ربما يكون أكثر أهمية من الوثيقة نفسها، لأنه سيحدد شكل السودان الذي سيولد من رحم هذه الحرب الطويلة.

المصدر سكاي نيوز عربية 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!