رأي

هل تبتلع مدن اللجوء ما تبقّى من الشباب السوداني كما ابتلع البحر الأبيض المتوسط آلاف المهاجرين؟

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الهجرة خيارًا فرديًا يسعى من خلاله الشباب إلى فرصة أفضل، بل تحولت إلى موجة نجاة جماعية دفعت مئات الآلاف نحو مدن اللجوء والنزوح داخل المنطقة وخارجها. وبينما تتكدس الحقائب في محطات السفر والمعابر الحدودية، يبرز سؤال ثقيل في وجدان السودانيين: هل تبتلع مدن اللجوء ما تبقّى من الشباب السوداني كما ابتلع البحر الأبيض المتوسط آلاف المهاجرين؟

ربما لا تبتلع مدن اللجوء الشباب بالطريقة المأساوية نفسها التي ابتلع بها البحر أرواح الآلاف، لكنها قد تبتلع شيئًا آخر أكثر هدوءًا وأطول أثرًا: السنوات، والهوية، والإحساس بالحياة المستقرة. فالبحر يبتلع الجسد مرة واحدة، أما المنفى فقد يبتلع الإنسان ببطء؛ يبتلع أحلامه الصغيرة، وعلاقته القديمة بالمكان، وشعوره بأنه ينتمي إلى مستقبل واضح.

في المدن الجديدة تبدأ الحكاية غالبًا بصدمة. شاب كان يعيش وسط أسرته وأصدقائه وأحيائه المألوفة، يجد نفسه فجأة في مدينة لا يعرف لغتها أو قوانينها أو إيقاعها الاجتماعي. تتراجع الأحلام الكبيرة أمام الأولويات القاسية: إيجار المسكن، تصاريح الإقامة، البحث عن عمل، وتأمين الحد الأدنى من الحياة.

ومع امتداد سنوات الغياب، لا يعود التحدي اقتصاديًا فقط، بل يصبح وجوديًا أيضًا. كثير من الشباب يتحدثون عن شعور متزايد بالانقطاع؛ انقطاع عن الوطن، وعن الإحساس بالاستقرار، وحتى عن صورة المستقبل التي كانت واضحة يومًا ما. تتحول الحياة لدى البعض إلى حالة انتظار طويلة: انتظار لنهاية الحرب، أو لفرصة عمل، أو لخبر مطمئن من العائلة التي بقيت خلفهم.

ومن بين التحديات الأكثر قسوة التي تواجه الشباب السوداني في المهجر حاجز اللغة واختلاف الثقافة، خاصة لدى الذين وصلوا إلى أوروبا وأمريكا وكندا. فالشاب الذي كان يتحرك بسهولة داخل مجتمعه يجد نفسه فجأة عاجزًا عن التعبير الكامل عن أفكاره أو فهم تفاصيل الحياة اليومية من حوله. تتحول اللغة إلى امتحان يومي يبدأ من أبسط المعاملات، ويمتد إلى الدراسة والعمل وبناء العلاقات الاجتماعية.

ويضاف إلى ذلك حاجز الطقس، إذ يواجه كثير من السودانيين صعوبة في التأقلم مع البرد الطويل والعزلة التي تفرضها الحياة في بعض المدن الغربية، وهو ما يضاعف الشعور بالغربة والضغط النفسي، خصوصًا في السنوات الأولى من اللجوء.

كما يواجه الشباب صراعًا ثقافيًا معقدًا بين الرغبة في الاندماج داخل المجتمعات الجديدة وبين التمسك بهويتهم السودانية وعاداتهم الاجتماعية. ومع مرور الوقت، يشعر بعضهم بأنهم يعيشون بين عالمين؛ فلا هم قادرون على العودة إلى السودان الذي تركوه خلفهم، ولا استطاعوا الذوبان الكامل في واقعهم الجديد. وهو صراع صامت يعيد تشكيل علاقتهم بأنفسهم وبالوطن وبفكرة الانتماء ذاتها.

ولا تقف معاناة الشباب السوداني في مدن اللجوء عند حاجز اللغة أو اختلاف الثقافة أو صراع الاندماج، بل تمتد إلى ضغط نفسي يومي يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة. فالوحدة تصبح واحدة من أكثر التجارب حضورًا، خاصة مع غياب الأسرة والأصدقاء وبيئة الدعم الاجتماعي التي كانت تشكّل جزءًا أساسيًا من الحياة في السودان.

في المجتمع السوداني، كانت الروابط الاجتماعية تمنح شعورًا مستمرًا بالأمان؛ الأسرة الممتدة، الجيران، والأصدقاء، وتفاصيل الحياة اليومية البسيطة التي تخفف من قسوة الظروف. أما في مدن اللجوء، فيجد كثير من الشباب أنفسهم أمام نمط حياة أكثر فردية وعزلة، حيث ينشغل الجميع بإيقاع العمل والدراسة، وتصبح العلاقات الإنسانية أبطأ في التكوين وأقل عمقًا في بداياتها.

ومع هذا التحول، تتراكم الضغوط النفسية بشكل غير مباشر: قلق مستمر، شعور بالانفصال، وحنين دائم إلى حياة كانت أكثر دفئًا وبساطة. ويزداد هذا الإحساس حين يرتبط التفكير بالعائلة التي بقيت في السودان، أو حين يصبح المستقبل نفسه غير واضح المعالم. وهكذا تتحول الغربة من مجرد انتقال جغرافي إلى حالة نفسية طويلة المدى، يعيش فيها الشاب بين محاولة التأقلم مع واقع جديد، والتمسك بصورة حياة سابقة لا تزال حاضرة في ذاكرته بقوة.

مدن اللجوء، بطبيعتها، لا تمنح الوافدين وقتًا طويلًا للتأمل. إنها مدن سريعة تدفع الإنسان نحو الاندماج القسري في سوق العمل وإيقاع الحياة اليومية. ومع الوقت، يخشى كثيرون أن يتحول السودانيون الشباب إلى طاقات مستنزفة في أعمال مؤقتة ومعارك معيشية لا تنتهي، بينما تتآكل تدريجيًا الروابط التي تصلهم بوطنهم وثقافتهم وذكرياتهم الأولى.

ومع امتداد الحرب وطول الغياب، يصبح الخوف الحقيقي هو أن يتحول المنفى من محطة مؤقتة إلى حياة كاملة تُستهلك فيها أجمل سنوات العمر بعيدًا عن الوطن. وهنا تكمن المأساة الأعمق: ليس فقط في فقدان المكان، بل في فقدان الإحساس الطبيعي بالاستقرار والانتماء.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فقد أظهرت تجارب السودانيين في المهجر قدرة لافتة على إعادة تشكيل المجتمع خارج حدوده الجغرافية. في القاهرة، ونيروبي، وأديس أبابا، والخليج، وأوروبا، ظهرت تجمعات شبابية ومبادرات ثقافية وتعليمية ومشاريع دعم متبادل حافظت على شيء من الروح السودانية وسط المنفى.

كما استطاع كثير من الشباب تحويل تجربة اللجوء إلى مساحة للتعلم وإعادة بناء الذات رغم قسوة الظروف. بعضهم أكمل دراسته، وآخرون دخلوا مجالات عمل جديدة، فيما اختار آخرون الانخراط في العمل الإنساني والإعلامي لخدمة السودانيين داخل البلاد وخارجها.

ومع ذلك، تبقى الخسارة الأكبر في شعور جمعي بأن جيلاً كاملًا يعيش سنواته الأهم بعيدًا عن وطنه، محرومًا من الاستقرار ومن الحق الطبيعي في التخطيط لحياة عادية. فالحروب لا تدمر المدن وحدها، بل تعيد تشكيل أعمار الناس ومساراتهم النفسية والاجتماعية.

ربما لا تكمن المشكلة الحقيقية في مدن اللجوء نفسها، بل في الظروف التي دفعت هؤلاء إلى الرحيل منذ البداية. فالمدن لا تبتلع الناس وحدها؛ أحيانًا يفعل ذلك طول الحرب، وضبابية المستقبل، والإحساس المستمر بأن الوطن صار أبعد مما ينبغي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!