رأي

الواثق البرير، حسم العلاقة بين الدين والدولة واجب ثورة وثوار السودان الجديد بين التمكين والعلمنة في مقال الواثق البرير: حين تصبح المساواة موضوعاً للتفاوض

بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن

 

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

أولاً: ماذا يقول الواثق البرير؟

يمكن تلخيص أطروحة الواثق البرير في مقاله المنشور علي الاسافير في عدة نقاط رئيسية:

١/ رفض الدولة الدينية ومشروع الإسلام السياسي بصيغته التمكينية

٢/ رفض العلمانية باعتبارها نموذجاً مستورداً من التجربة الأوروبية

٣/ اعتبار الدعوة إلى العلمانية شكلاً من أشكال الفرض الأيديولوجي

٤/ الدعوة إلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على التوافق الوطني

٥/ اعتبار مسألة العلاقة بين الدين والدولة قضية يقررها الحوار المجتمعي والإرادة الشعبية

٦/ اعتبار فرض العلمانية شبيهاً بفرض الدولة الدينية من حيث المبدأ

٧/ الدفاع عن صيغة وسطية تجمع بين المرجعية الدينية والحقوق الديمقراطية دون تبني العلمانية صراحة

ورغم اللغة التصالحية التي كُتب بها المقال، فإن جوهره السياسي والفلسفي يعيد إنتاج إحدى أقدم حيل النخبة السودانية: تحويل حقوق الضحايا إلى موضوع للتفاوض، وتحويل شروط المواطنة المتساوية إلى قضية خلافية قابلة للأخذ والرد.

ونحن نقول ان مشكلة البرير وغيره الكثير من النخب ليست في العلمانية وحسب… بل في المساواة وبالتاكيد في المعرفة.

السؤال الحقيقي ليس:

هل نحب العلمانية أم لا؟

بل:

هل يحق للمسلم وغير المسلم أن يكونا مواطنين متساويين أمام الدولة؟

هل يحق للمسلمة والمسيحي واللاديني، والملحد وصاحب المعتقد الأفريقي التقليدي أن يمتلكوا الحقوق ذاتها دون تمييز؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن العلمانية تصبح نتيجة منطقية وليست خياراً أيديولوجياً، ولا شنو؟

لقد لخّص الفيلسوف الأمريكي جون رولز المسألة ببساطة عندما أكد أن الدولة العادلة هي التي لا تمنح امتيازاً سياسياً لعقيدة على حساب أخرى، ويورغن هابرماس بيّن أن الديمقراطية الحديثة لا يمكن أن تستقر إلا داخل إطار دستوري علماني – محايد تجاه الأديان. ولهذا السبب لا توجد اليوم ديمقراطية مستقرة متعددة الأديان والأعراق قامت على أساس ديني رسمي يمنح امتيازاً دائماً لجماعة دون غيرها- وان وجدت ليدلونا عليها.

الاحتيال المفاهيمي: حين تُصوَّر مطالب الضحايا كأنها إقصاء

أسوآ ما في خطاب الواثق البرير أنه يقلب السؤال رأساً على عقب. فبدلاً من أن يسأل: لماذا يرفض غير المسلمين أن تُعرّف الدولة نفسها بدين لا يمثلهم؟ يحوّل المسألة إلى اتهام مضاد: لماذا يريد هؤلاء فرض العلمانية؟

هنا يحدث الاحتيال المفاهيمي. فالنوبي المسيحي في جبال النوبة، والأنقسناوي في النيل الأزرق، وصاحب المعتقد الأفريقي التقليدي، لا يطلبون امتيازاً فوق غيرهم؛ إنهم يطلبون فقط ألا تحتكر الدولة تعريف نفسها عبر دين بعينه. فكيف يصبح طلب المساواة إقصاءً؟ وكيف يصبح رفض الامتياز الديني هيمنة؟

هذه هي حيلة النخب المهيمنة التي وصفها فرانز فانون: تحويل مطالب المقهورين إلى تهديد للنظام العام. والواثق البرير ليس استثناءً؛ فكثير من نخب اليمين واليسار والوسط تتبنى المنطق ذاته، لأن من اعتاد الامتياز يرى المساواة اعتداءً عليه

ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: هل يستطيع الواثق البرير أن يقدم نموذجاً واحداً، في التاريخ الإسلامي أو الإنساني، لدولة جعلت الدين مصدراً رسمياً للشرعية والتشريع، ثم نجحت في تحقيق مساواة سياسية كاملة بين جميع مواطنيها وتجنب الصراعات حول السلطة والهوية والعقيدة؟

المشكلة ليست في الإسلام كدين، بل في تحويل أي دين إلى أساس للسلطة السياسية. فحين تصبح الدولة ناطقة باسم العقيدة، يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف ديني، ويصبح المعارض خصماً للدولة والدين معاً. وقد علّمنا التاريخ، من أوروبا القرون الوسطى إلى التجارب الإسلامية المتعاقبة، أن المجتمعات المتعددة لا تستقر حين تحتكر عقيدة واحدة تعريف الدولة، بل حين تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها.

والتاريخ الإسلامي نفسه لا يقدم دليلاً على أن الشرعية الدينية حلت معضلة السلطة أو أنتجت مواطنة متساوية. فمنذ السقيفة، مروراً بالفتنة الكبرى والصراع بين علي ومعاوية، ثم النزاع بين الأمويين والعباسيين، وصولاً إلى الصراعات بين السلاطين والعلماء والدول التي رفعت جميعها راية الإسلام، ظل الخلاف السياسي يُدار عبر تأويلات دينية متنافسة وادعاءات متعارضة حول من يملك التفسير الصحيح للدين ومن يمثل الإرادة الإلهية.

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: في تحويل الدين إلى مصدر للشرعية السياسية. فعندما تستند السلطة إلى العقيدة، يصبح الخلاف السياسي قابلاً للتحول إلى خلاف ديني، ويتحول المعارض من خصم سياسي إلى خصم للعقيدة ذاتها.

ومن هذا المنظور تبدو التجربة المهدية في السودان جديرة بالتأمل. فهي ليست مجرد حدث تاريخي، بل اختبار عملي لفكرة الدولة ذات المرجعية الدينية. فمنذ أن تحولت الدعوة المهدية إلى دولة، لم تعد الشرعية مستمدة من المواطنة أو الإرادة العامة، بل من ادعاء تمثيل الحقيقة الدينية. وهنا تبدأ المعضلة البنيوية لكل دولة دينية: فالمواطن يُعرَّف بمدى قربه أو بعده من العقيدة الرسمية، لا بصفته مواطناً متساوياً في الحقوق.

ولهذا لا يتعلق السؤال السوداني اليوم بتدين الحكام أو أخلاقهم، بل بطبيعة الدولة نفسها: هل يمكن لدولة متعددة الأديان والثقافات والقوميات أن تحقق مساواة كاملة بين مواطنيها وهي تنطلق من مرجعية دينية تمنح، بحكم تعريفها، مكانة خاصة لعقيدة دون غيرها؟

تشير تجارب التاريخ السوداني والإسلامي والإنساني إلى حقيقة واحدة: عندما تستمد السلطة شرعيتها من الدين، يصبح الاعتراض عليها قابلاً لأن يُفسَّر باعتباره اعتراضاً على الدين نفسه. وعندما تحتكر الدولة تفسير العقيدة، تتراجع المواطنة المتساوية لصالح الانتماء الديني.

ولهذا فإن القضية لا تتعلق بأخطاء هذا الحاكم أو ذاك، ولا حتي بالتجربة المهدية وحدها، بل بطبيعة الدولة الدينية نفسها. فهي تقوم على وجود عقيدة رسمية للدولة وتفسير ديني معتمد ينعكس في القانون والسياسة، مما يجعل الحياد الكامل بين المواطنين أمراً متعذراً.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس عن عدالة الحكام أو نواياهم، بل عن بنية النظام ذاته. فحتى أكثر الحكام نزاهة وتقوى لا يستطيع أن يجعل الدولة الدينية محايدة تجاه جميع مواطنيها، لأن مرجعيتها تمنح، بحكم تعريفها، مكانة خاصة لعقيدة معينة على حساب مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين، هذا مالم يكن بوسع الواثق البرير إعادة اكتشاف العجلة!

ولذلك لم تكن أزمة السودان في جوهرها أزمة أفراد أو حكومات. فلو كانت كذلك لانتهت بسقوط نميري أو بانهيار نظام الإنقاذ. لكن الأزمة استمرت لأن أصل المشكلة أعمق من الأشخاص؛ إنها تكمن في محاولة بناء دولة حديثة متعددة الأديان والثقافات والقوميات على أساس مرجعية دينية لا تستطيع أن تتعامل مع جميع المواطنين بالمسافة نفسها.

وتكشف التجربة السودانية الحديثة هذه المعضلة بوضوح. فمن مشروع دستور 1968 إلى قوانين سبتمبر 1983 ثم دولة الإنقاذ، ظل السؤال ذاته مطروحاً دون إجابة مقنعة: كيف يمكن لدولة تُعرّف نفسها دينياً أن تضمن مساواة سياسية كاملة لمواطنيها المختلفين دينياً وثقافياً؟

ولم يكن مصادفة أن تتسع دوائر الحرب والانقسام كلما اقتربت الدولة من تعريف نفسها عبر الدين، وأن تتزايد فرص السلام كلما اقتربت من مبدأ المواطنة المتساوية والحياد الدستوري. ولذلك لم تكن حرب جنوب السودان، ولا نضالات الحركة الشعبية في جبال النوبة والنيل الأزرق، مجرد صراعات على السلطة، بل كانت في جوهرها رفضاً لبنية دولة ربطت الانتماء الكامل إليها بهوية دينية وثقافية محددة.

ومن هنا فإن العلمانية ليست عداءً للدين ولا استيراداً لنموذج أجنبي، بل استجابة مباشرة لواقع سوداني متعدد لا يمكن إدارته بعدالة إلا عبر دولة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها.

فالسؤال المطروح اليوم لم يعد: أي دين ينبغي أن يحكم الدولة؟ بل: كيف نمنع أي عقيدة أو جماعة من احتكار الدولة باسم الدين أو الثقافة أو التاريخ؟

ذلك هو جوهر المواطنة المتساوية، وذلك هو الشرط الأول لبناء سلام عادل ومستدام في السودان.

العلمانية ليست قضية خلافية

وهنا يكمن الخلل الجوهري في أطروحة الواثق البرير. فهو يتعامل مع طبيعة الدولة والمواطنة المتساوية والعلاقة بين الدين والسلطة وكأنها قضايا يمكن تأجيلها إلى حين اكتمال التوافق المجتمعي أو موافقة الأغلبية. لكن التاريخ يعلمنا أن المبادئ التي قامت عليها الحرية والعدالة لم تنتصر لأنها كانت محل إجماع، بل لأنها واجهت أنظمة وأعرافاً كانت تُعتبر طبيعية ومشروعة ومحمية بالقانون. فحقوق الإنسان لا تُكتسب بالتوافق، بل يُبنى التوافق حولها بعد الاعتراف بها.

فالرق في الولايات المتحدة لم يكن مجرد ممارسة اجتماعية، بل كان نظاماً قانونياً واقتصادياً كاملاً تدعمه الدولة وتحميه المحاكم وتبرره خطابات دينية وسياسية واسعة النفوذ. ومع ذلك لم يُلغَ لأن المجتمع أجمع على رفضه، بل لأن مبدأ الحرية اعتُبر أعلى من الأعراف السائدة وأسمى من إرادة الأغلبية.

والسودان نفسه يقدم مثالاً مشابهاً. فالدولة المهدية كانت تمثل في زمانها النظام السياسي والديني المشروع، وكانت ممارساتها تجد سندها في الفقه والعرف السائد. ولو احتكمنا اليوم إلى منطق “الخصوصية التاريخية” وحده، لكان علينا أن نقبل باستمرار مؤسسات وممارسات تجاوزها الضمير الإنساني منذ زمن طويل، بما في ذلك أنظمة الهوس الديني والاسترقاق التي كانت جزءاً من الواقع السياسي والاجتماعي آنذاك. لكن المجتمعات لا تتقدم بالتمسك بما كان سائداً، بل بإخضاعه لمعايير أعلى من العدالة والكرامة الإنسانية.

والأمر نفسه ينطبق على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فالأبارتهايد لم يكن خروجاً على القانون، بل كان هو القانون ذاته. ومع ذلك لم يقبل نيلسون مانديلا ورفاقه أن تتحول المساواة إلى موضوع تفاوض أو استفتاء. لأن حق الإنسان في المواطنة الكاملة لا يستمد شرعيته من موافقة الأغلبية، بل من العدالة نفسها، ولا مش كده!

وكذلك لم تحصل النساء على حقوقهن السياسية لأن المجتمعات منحتها لهن طوعاً، بل لأن حركات اجتماعية وفكرية طويلة واجهت أنظمة قانونية كانت تعتبر الإقصاء أمراً طبيعياً ومشروعاً. ولو انتظرت تلك الحركات اكتمال التوافق المجتمعي، لما تحقق كثير من التقدم الذي يعتبره العالم اليوم بديهياً.

ولهذا فإن الإشكال في خطاب “التوافق أولاً” أنه يفترض أن الحقوق الأساسية يمكن أن تظل معلقة إلى أن يقتنع بها الجميع. بينما يعلمنا التاريخ أن التوافق غالباً ما يكون نتيجة للاعتراف بالحقوق، لا شرطاً مسبقاً لها. فكل توسع حقيقي في دائرة الحرية الإنسانية بدأ بمبدأ أخلاقي وقانوني سبق الإجماع المجتمعي ثم قاده، وعلي الواثق البرير وغيره النضج لهذا السقف.

ومن هذا المنطلق، لا تمثل العلمانية في السودان مجرد رأي سياسي ينافس آراء أخرى، بل تتعلق بالسؤال التأسيسي للدولة نفسها: هل يحق للدولة أن تمنح امتيازاً سياسياً أو دستورياً لمواطنيها على أساس الدين أم لا؟

وهذا السؤال لا يختلف، في بنيته الأخلاقية، عن الأسئلة التي واجهتها البشرية عند مناقشة الرق أو الفصل العنصري أو حرمان النساء من الحقوق السياسية. فكما أن المساواة العرقية ليست قضية قابلة للمساومة، وكما أن الحق في الحياة والحرية لا تُخضع للتصويت، فإن المواطنة المتساوية في مجتمع متعدد الأديان والثقافات ليست شأناً تتركه الدولة لأهواء الأغلبية أو لتقلبات السياسة.

وحين يُطلب إخضاع هذه المسألة لـ”الحوار المجتمعي” أو “التوافق الوطني”، فإن المعنى العملي لذلك هو إبقاء حقوق بعض المواطنين رهينة بموافقة مواطنين آخرين عليها. وهنا تتحول الديمقراطية من أداة لحماية الحقوق إلى وسيلة لتأجيلها.

ولهذا لم تنشأ الدساتير الحديثة لحكم الأغلبية وحدها، بل لوضع حدود لا تستطيع الأغلبية نفسها تجاوزها. وقد حذر ألكسيس دو توكفيل مبكراً من “طغيان الأغلبية”، أي اللحظة التي تستخدم فيها الأكثرية قوتها العددية لحرمان الآخرين من حقوقهم الأساسية. ومن هنا نشأت فكرة المبادئ فوق الدستورية التي لا تخضع للتصويت، لأنها تشكل الأساس الأخلاقي الذي تستمد منه الدولة شرعيتها، وعلى الواثق البرير ومن يتفق معه ان يوسعوا معارفهم قليلا.

وفي السودان، ليست العلمانية قضية أوروبية ولا شعاراً نخبوياً، بل التعبير الدستوري عن مبدأ بسيط: أن تكون الدولة ملكاً متساوياً لجميع مواطنيها، لا امتيازاً تمنحه الأغلبية لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. ومن دون هذا المبدأ ستظل البلاد تدور في الحلقة نفسها: دولة تمنح الامتياز لفئة، ثم تتساءل لماذا يرفض الآخرون الانتماء إليها!

في السودان، ليست العلمانية قضية أوروبية ولا شعاراً نخبوياً ولا موضة فكرية مستوردة. إنها ببساطة الاسم الدستوري للمواطنة المتساوية في بلد متعدد الأديان والثقافات والقوميات. ولذلك فإن التعامل معها بوصفها قضية خلافية قابلة للمساومة يشبه التعامل مع المساواة العرقية في جنوب أفريقيا أو إلغاء الرق في أمريكا أو حق المرأة في التصويت باعتبارها مجرد آراء سياسية متنافسة. إنها ليست كذلك. إنها شروط تأسيسية للعدالة والسلام والاستقرار، ومن دونها يظل السودان يدور في الحلقة نفسها التي دار فيها منذ الاستقلال: دولة تمنح الامتياز لفئة، ثم تتساءل لماذا يرفض الآخرون الانتماء إليها.

ومن أكثر الحجج ضعفاً في خطاب الواثق البرير، وفي خطاب قطاعات واسعة من النخبة السودانية التقليدية، القول إن العلمانية تُرفض في السودان لأنها “فكرة أوروبية مستوردة”. فهذه ليست حجة معرفية بقدر ما هي محاولة للهروب من جوهر النقاش إلى أصل الفكرة الجغرافي.

ولو كان مصدر الفكرة هو معيار قبولها أو رفضها، لوجب رفض الإسلام نفسه لأنه جاء من الجزيرة العربية، ورفض اللغة العربية، والدولة الحديثة، والجامعات، والدساتير، والبرلمانات، والأحزاب السياسية، بل وحتى مفهوم الدولة الوطنية. لكن أحداً لا يفعل ذلك، لأن المشكلة ليست في أن الفكرة جاءت من الخارج، بل في ما إذا كانت تخدم مصالح معينة أو تهددها.

فالحضارة الإنسانية لم تُبنَ داخل حدود مغلقة، بل عبر التفاعل المستمر بين الشعوب والثقافات. والأفكار العظيمة لا تكتسب قيمتها من مكان ولادتها، بل من قدرتها على الإجابة عن أسئلة الواقع ومعالجة مشكلاته. ولذلك فإن السؤال الناضج والجاد ليس: من أين جاءت الفكرة؟ بل: هل هي عادلة؟ وهل تساعد على حل المشكلة المطروحة؟

وهنا تتكشف الانتقائية الكامنة في حجة “الاستيراد”. فالنخب التي لا تجد حرجاً في تبني الدولة الحديثة ومؤسساتها وقوانينها وتقنياتها، تتذكر فجأة أصل الفكرة الأجنبي فقط عندما يتعلق الأمر بالمواطنة المتساوية أو حياد الدولة تجاه الأديان. وكأن الاستيراد يصبح مشكلة فقط عندما يهدد امتيازات تاريخية ترسخت باسم الدين أو الثقافة أو المركز السياسي!

ولهذا فإن مقولة “العلمانية فكرة أوروبية” لا تُستخدم غالباً للدفاع عن الأصالة، بل للدفاع عن وضع قائم يصعب تبريره بصورة مباشرة. فهي تنقل النقاش من سؤال الحقوق والمساواة إلى سؤال الهوية والمصدر، ومن جوهر الأزمة إلى هامشها.

فالسؤال الحقيقي ليس: من أين جاءت العلمانية؟

السؤال الحقيقي هو: هل يحتاج السودان، بوصفه مجتمعاً متعدد الأديان والثقافات والقوميات، إلى دولة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن أصل الفكرة لا يغير شيئاً. أما إذا كانت الإجابة لا، فعلى أصحاب هذا الرأي أن يوضحوا كيف يمكن تحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين في ظل دولة تمنح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مكانة خاصة لدين أو هوية دون غيرها.

أخيراً: السودان لا يحتاج إلى المزيد من المراوغة

بعد سبعين عاماً من الحروب والانقسامات والانهيارات، لم تعد مشكلة السودان هي نقص الحوارات حول الدين والدولة. المشكلة أن بعض النخب ما زالت تراوغ حول السؤال الجوهري: هل الدولة ملك لجميع مواطنيها بالتساوي أم أنها تمنح امتيازات لفئة دون أخرى؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الطريق واضح: دولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والحقوق المتساوية.

أما إذا استمرت النخب في التعامل مع العلمانية باعتبارها قضية قابلة للتأجيل والمساومة والتفاوض، فإنها لا تؤجل النقاش فحسب، بل تؤجل العدالة والسلام والاستقرار.

فالعلمانية ليست خصماً للدين، وإنما الضمانة التي تمنع تحويل الدين إلى أداة للسلطة. وليست اعتداءً على هوية الأغلبية، بل الحماية الدستورية الوحيدة لكرامة جميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو ثقافتهم أو أصولهم.

ولهذا أدرك ثوار السودان الجديد، عبر عقود من المقاومة والنضال وبالوسائل التي فرضتها عليهم ظروف التهميش والحرب، أن المساواة لا تُمنح منحةً من النخب المهيمنة، ولا تنتظر موافقة أصحاب الامتيازات التاريخية. فقد أثبتت التجربة أن الحقوق الأساسية لا تُنال بالاستعطاف، بل تُنتزع بالنضال المنظم والإرادة السياسية.

ومن هنا لم تعد العلمانية، بالنسبة لملايين المهمشين في السودان، مجرد فكرة سياسية مطروحة للنقاش، بل أصبحت التعبير الدستوري عن حقهم في وطن يعاملهم مواطنين كاملي الحقوق لا رعايا من درجات متفاوتة. فالمساواة لا تتوقف على إجازة الواثق البرير أو غيره من نخب المركز، لأن الحقوق لا تستمد مشروعيتها من رضا المستفيدين من غيابها، بل من عدالتها نفسها.

وفي السودان، بعد كل هذا التاريخ من الدماء والتضحيات، لم تعد العلمانية ترفاً فكرياً ولا شعاراً حزبياً، بل أصبحت شرطاً للعدالة، وشرطاً للمواطنة المتساوية، وشرطاً لبناء سلام دائم لا يقوم على هيمنة جماعة على أخرى، وإنما على مساواة الجميع أمام الدولة والقانون.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!