
عماد جدو
مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام يوم الأحد الموافق 7 يونيو 2026م، عاد الجدل السياسي إلى الواجهة من جديد، وبرزت أصوات تنتقد هذه الخطوة وتربطها بمخاطر محتملة على وحدة السودان ومستقبله السياسي. غير أن هذا الجدل يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي أن يصبح حق الطلاب في التعليم رهينة للصراع السياسي والعسكري الدائر في البلاد؟
لقد وجدت حكومة السلام نفسها أمام مسؤولية مباشرة تجاه ملايين المواطنين المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والذين واجهوا خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة في الحصول على الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة واستخراج الأوراق الثبوتية. وفي ظل هذه الظروف، اعتبرت الحكومة أن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية يمثل واجباً أساسياً تجاه الطلاب الذين لا ذنب لهم في تعقيدات المشهد السياسي والحرب المستمرة.
وكانت لجنة المعلمين السودانيين، بالتعاون مع عدد من الصحفيين والمهتمين بالشأن التعليمي، قد طرحت في وقت سابق مبادرة تهدف إلى إقامة امتحانات موحدة تشمل المناطق الواقعة تحت سيطرة مختلف الأطراف المتحاربة. إلا أن هذه المبادرة لم تجد طريقها إلى التنفيذ، نسبة لتعنت سلطة بورتسودان. واعتبار جلوس هولاي الطلاب بمثابةتفريط في الامن القومي للسلطة بورتسودان. الأمر الذي أدى إلى استمرار معاناة آلاف الطلاب الذين كانوا ينتظرون فرصة الجلوس للامتحانات ومواصلة مسيرتهم التعليمية.
وجاء إعلان حكومة السلام عن قيام الامتحانات خلال شهر يونيو 2026م ليشكل حدثاً مهماً في المناطق الواقعة تحت إدارتها، خاصة بعد أن دق جرس البداية في الثامنة صباحاً من يوم 7 يونيو داخل أكثر من 88 مركزاً امتحانياً، شارك فيها ما يقارب عشرة آلاف طالب وطالبة موزعين على مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
ويرى مؤيدو هذه الخطوة أن ما جرى يمثل انتصاراً لحق التعليم وليس انتصاراً لطرف سياسي على آخر، مؤكدين أن حرمان الطلاب من حقهم في الجلوس للامتحانات لا يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. كما يعتبرون أن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين يجب أن يظل واجباً مستقلاً عن طبيعة الصراع القائم.
في المقابل، يربط بعض المنتقدين هذه الإجراءات بمخاوف تتعلق بمستقبل وحدة السودان، ويعتبرون أن إنشاء مؤسسات موازية أو ترتيبات إدارية منفصلة قد يقود إلى مزيد من الانقسام. إلا أن أنصار مشروع “تأسيس” يرفضون هذا الطرح، ويرون أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها إلا عبر معالجة جذورها التاريخية المتمثلة في التهميش وعدم المساواة واختلال توزيع السلطة والثروة.
ويؤكد هؤلاء أن وحدة السودان الحقيقية لا تقوم على الإقصاء أو الحرمان من الخدمات، وإنما على مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بحقوق جميع الشعوب والمكونات السودانية دون تمييز. ومن هذا المنطلق، فإنهم يعتبرون أن النقاش حول مستقبل الدولة السودانية يجب أن ينطلق من معالجة أسباب الأزمة، لا من التخويف المستمر بشعار الانفصال أو انهيار الوحدة الوطنية.
كما يشير مؤيدو حكومة السلام إلى أن النقاش الدائر حول الامتحانات تجاهل قضايا أخرى يرون أنها أكثر تأثيراً على النسيج الوطني، مثل القيود المفروضة على حركة المواطنين، وصعوبات الحصول على الوثائق الرسمية، وتراجع الخدمات الصحية، واستمرار الحرب وآثارها الإنسانية الواسعة على المدنيين.
وفي نهاية المطاف، فإن امتحانات الشهادة السودانية التي انطلقت في مناطق حكومة السلام تجاوزت كونها مجرد حدث تعليمي، لتتحول إلى محطة سياسية تعكس عمق الخلاف حول شكل الدولة السودانية ومستقبلها. وبينما ينظر إليها البعض باعتبارها خطوة ضرورية لحماية حق الطلاب في التعليم، يراها آخرون جزءاً من معركة أكبر تتعلق بمستقبل السلطة ووحدة البلاد.
غير أن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن آلاف الطلاب جلسوا إلى مقاعد الامتحان بعد سنوات من القلق والانتظار، وأن حقهم في التعليم يظل قضية إنسانية ووطنية ينبغي أن تتجاوز حسابات الصراع السياسي، مهما بلغت حدة الخلافات بين الأطراف المتنازعة.




