
حسن النعمان
أردمتا… ومتى الرد
على طريقة أردمتا؟
بقلم: حسن النعمان
ألا يقول الله تعالى بالمعاملة بالمثل؟ وأين قول الله تعالى: “العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص”؟ أم أن المثالية أصبحت عند البعض أسمى من الأرواح، وأصبحت ضمادات الجراح شعاراتٍ من الصبر المميت، بينما ينزف الناس ألماً وقهراً وحسرة؟
ينطوي تحت شعار “أخلاقنا” آلاف علامات الاستفهام. ذلك الشعار البارد الباهت الذي يُرفع في وجه الضحايا كلما طالبوا بالعدل والإنصاف. وكأن الأخلاق تعني أن ينسى المظلوم مظلمته، وأن يتعايش مع جراحه، وأن يبتلع مرارة الفقد دون أن يسأل: من فعل هذا؟ ولماذا أفلت من الحساب؟
ويرحم الله أرض أردمتا، تلك الأرض التي انتُهكت حقوقها قبل إنسانها، وقُتل فيها الأمل قبل أن تُقتل الأحلام، وانقطعت فيها شرايين الحياة والحركة، حتى أصبحت شاهداً على واحدة من أقسى صور المأساة الإنسانية.
ولم تكن مأساة أردمتا وليدة الحرب وحدها، بل سبقتها سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة. فذلك الكبري الذي قيل إنه مشروع تنموي واستراتيجي لم يكن في نظر كثيرين سوى شاهد جديد على الطريقة التي أُديرت بها البلاد لعقود. أموال صُرفت، ووعود أُطلقت، واحتفالات أُقيمت، لكن النتيجة كانت بناءً لم يرتقِ إلى مستوى ما يحتاجه الناس وما تستحقه المنطقة.
وحين انهار ذلك الكبري لم يسقط الإسمنت والحديد فقط، بل سقطت معه أحلام المواطنين في التنمية والعبور والتواصل والحياة الكريمة. انقطع شريان الحركة والتجارة، ووجد المواطن نفسه مرة أخرى يدفع ثمن الفساد والإهمال، بينما ظل المتسببون الحقيقيون بعيدين عن المساءلة والمحاسبة.
ذلك الكبري لم يدمره الزمن وحده، بل دمرته سياسات التمكين والفساد، ودمرته عقلية ظلت ترى الدولة غنيمةً لا وطناً، ومورداً للحزب لا ملكاً للشعب. ولذلك لم يكن انهياره حادثاً عابراً، بل كان رمزاً لانهيار أكبر سبق الحرب بسنوات طويلة.
إن جلساء الأبالسة الذين يقتلون حاضر أردمتا ومستقبلها لا يفعلون ما يفعلون عن جهل أو غباء أو مصادفة، بل عن علمٍ وقصدٍ وتخطيطٍ دقيق. إنها أفعال دُرست وخُطط لها ثم نُفذت بعيونٍ مفتوحة وإرادةٍ لا تعرف الرحمة. وبعد ذلك يُتركون لنا بيانات الشجب والإدانة، ويطلبون منا أن نوكل أمر الضحايا إلى منظماتٍ فتحت مكاتبها في الخرطوم وبورتسودان، بينما يقف كثير من موظفيها، سودانيين وأجانب، متفرجين على المأساة.
منظماتٌ تقتات على نيران الحرب، ترى ولا ترى، وتسمع ولا تسمع، وتمنع الماعون حين يجب أن يُمد، بينما تُباع الإغاثة تحت مرأى ومسمع الجميع. يحدث ذلك أمام أعينهم، لكنهم يتعاملون بمنطق العين المغمضة، وكأن ما يجري لا يعنيهم.
واليوم، بينما تدفع أردمتا ثمن الحرب والخراب، يرى كثير من السودانيين أن التيار الإسلامي الذي حكم البلاد لعقود يتحمل مسؤولية سياسية وتاريخية كبيرة عما وصلت إليه الأوضاع. فقد رسخت سلطة التمكين ثقافة الولاء على حساب الكفاءة، وقدمت الانتماء السياسي على المصلحة الوطنية، وأضعفت مؤسسات الدولة حتى أصبحت عاجزة عن حماية مواطنيها أو الحفاظ على مكتسباتهم.
لقد سقط الكبري قبل أن يسقط بالإهمال والفساد، وسقط الوطن قبل أن يسقط بالرصاص. وما نشهده اليوم ليس إلا حصاد سنوات طويلة من السياسات التي مزقت النسيج الوطني، وأشعلت الخصومات، وأضعفت الدولة حتى أصبحت أرضاً خصبة للحروب والانقسامات.
وأردمتا لا تسأل فقط: من دمر الكبري؟ بل تسأل أيضاً: من دمر الدولة حتى أصبح انهيار الكبري أمراً عادياً، وانهيار الوطن أمراً متوقعاً؟ ومن أشعل نار الفتنة ثم ظل ينفخ فيها كلما أوشكت على الانطفاء؟ ومن الذي ما زال يراهن على الخراب أملاً في العودة إلى السلطة فوق أنقاض الوطن وآلام المواطنين؟
أردمتا… ومتى الرد الذي يثلج الصدور؟
أناسٌ ذاقوا الويل حصاراً في الحر والبرد، وعاشوا الجوع والخوف والتشريد، وما زالوا يدفعون الثمن اليوم وربما غداً أيضاً. ومع ذلك يُطلب منهم الصبر، ويُطلب منهم أن يستمعوا إلى دروس المثالية، بينما يتوارى الحق خلف ستار الشعارات.
وطالما ظل منطق المثالية المجردة يحلق فوق الحقائق، وظلت الكلمات الجميلة تُقدَّم بديلاً عن العدالة، فإن الجراح ستبقى مفتوحة، والأسئلة ستظل معلقة في ضمير الوطن.
نعم، يقول الله تعالى: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”، لكن هذه دعوة إلى السمو الأخلاقي، وليست دعوة إلى التنازل عن الحقوق أو إسقاط المحاسبة أو تجاهل المظالم. فالسلام الحقيقي لا يقوم على النسيان، وإنما على العدالة، ولا يُبنى على الصمت، وإنما على الاعتراف بالحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.
أردمتا ليست مجرد بقعة جغرافية ولا حادثة عابرة في سجل الحرب، بل جرح مفتوح في وجدان السودانيين، وشاهد على زمن اختلط فيه الفساد بالحرب، واختلطت فيه الشعارات بالدموع، واختلط فيه خطاب الأخلاق بعجز العدالة.
ستبقى أردمتا تسأل، وسيبقى التاريخ يسأل معها:
كم من الألم يجب أن يُحتمل قبل أن ينتصر العدل؟
وكم من الدماء يجب أن تُراق قبل أن يدرك الجميع أن الصمت على المأساة مشاركة فيها؟
ستبقى أردمتا شاهدة، وسيبقى التاريخ شاهداً، وستبقى ذاكرة الضحايا أقوى من كل محاولات التبرير والنسيان.
أردمتا… ومتى يأتي يوم الإنصاف؟




