رأي

احذروا المتسلقين على مشروع التأسيس.. رسالة إلى حميدتي قبل فوات الأوان

د.إخلاص قرنق 

 

د.إخلاص قرنق 

الثورات العظيمة لا تسقط دائماً تحت ضربات أعدائها المعلنين، بل كثيراً ما تنهار من الداخل عندما يتمكن المتسلقون والانتهازيون من التسلل إلى مراكز القرار، فيحولون أحلام الجماهير إلى أدوات لخدمة مصالحهم الضيقة. وهذه هي المعركة الأخطر التي تواجه أي مشروع للتغيير.

إن مشروع “تأسيس” لم يولد ليكون منصة لتوزيع النفوذ أو إعادة تدوير نخب السودان القديم، وإنما جاء استجابة لتطلعات ملايين السودانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات من أجل بناء دولة جديدة تقوم على العدالة والمواطنة والمساواة وسيادة القانون.

غير أن ما يبعث على القلق اليوم هو ظهور ملامح سلوك سياسي يعيد إنتاج الأمراض ذاتها التي قادت السودان إلى أزماته المتلاحقة. فهناك من دخلوا إلى مشروع التأسيس بوجوه جديدة، لكنهم حملوا معهم العقليات القديمة ذاتها؛ عقلية الإقصاء والمحاصصة والولاءات الشخصية وتقديم المقربين على أصحاب الكفاءة والخبرة.

إن الخطر الحقيقي على مشروع التأسيس لا يأتي فقط من خصومه في الخارج، بل من أولئك الذين يتحدثون باسمه في الداخل بينما يعملون بصمت على تحويله إلى نسخة مشوهة من التجارب التي ثار السودانيون ضدها. فحين تصبح المواقع العامة مكافآت سياسية، وتتحول المؤسسات إلى ساحات لتصفية الحسابات وتوزيع النفوذ، تبدأ الثورة في فقدان معناها تدريجياً.

وتبرز بعض الملفات الاستراتيجية كمؤشر مقلق على هذا المسار. فبدلاً من البحث عن أفضل الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة قطاعات حيوية تخدم مصالح المواطنين، أصبح التنافس في بعض الأحيان يدور حول من يملك النفوذ الأكبر أو العلاقات الأقوى. وهذه ليست الطريقة التي تُبنى بها الدول، ولا الأسلوب الذي يُحقق أهداف التغيير الحقيقي.

إن الثورات لا تنتصر بالشعارات وحدها، وإنما تنتصر عندما تجعل الكفاءة معياراً، والنزاهة قيمة، والمؤسسات مرجعية. أما عندما يتراجع أصحاب الخبرة لصالح أصحاب الولاءات، فإن المشروع يبدأ في استنزاف رصيده الأخلاقي والسياسي مهما كانت شعاراته كبيرة.

ومن هنا تأتي الرسالة إلى القائد محمد حمدان دقلو:

احذر من الذين يرفعون رايات الثورة بينما يمارسون سلوك الثورة المضادة.

احذر من الذين يتحدثون عن التغيير وهم يعيدون إنتاج أدوات التمكين والإقصاء بصورة جديدة.

احذر من الذين يحيطون أنفسهم بالمصفقين ويُبعدون أصحاب الرأي والخبرة والكفاءة.

فالتاريخ يعلمنا أن الثورات لا تُسرق دفعة واحدة، وإنما تُختطف عبر سلسلة من التنازلات الصغيرة والقرارات الخاطئة حتى تستيقظ الجماهير لتجد أن المشروع الذي ضحت من أجله لم يعد يشبهها.

إن حماية مشروع التأسيس تبدأ من حماية مبادئه، وتحصين مؤسساته، وفتح أبوابه أمام الكفاءات الوطنية الصادقة، ومراجعة كل الممارسات التي تتعارض مع أهدافه الكبرى.

فالسودانيون لم يثوروا من أجل استبدال نخبة بأخرى، ولا من أجل تغيير الأسماء والوجوه فقط، وإنما من أجل تغيير قواعد الحكم نفسها.

ولهذا فإن أكبر خدمة يمكن أن تُقدم لمشروع التأسيس اليوم هي أن يبقى مشروعاً للوطن، لا مشروعاً للأفراد، وأن يظل وفياً لأهدافه الأولى قبل أن يفوت الأوان. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!