رأي

العنصرية تسقط حين تتحدث باسم الوطنية

إيمان بدرالدين

 

ايمان بدر الدين 

لا وطن يبنيه المستعلون، ولا أمة تنهض باحتقار أبنائها

في كل مرة يظن البعض أن السودان تجاوز إرث العنصرية والاستعلاء، تخرج أصوات تعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي ساهم لعقود طويلة في تمزيق النسيج الوطني وتعميق الأزمات السياسية والاجتماعية. فالعنصرية ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي ثقافة إقصائية تنظر إلى المواطنين بدرجات متفاوتة من القيمة والحقوق والانتماء، وهي الثقافة ذاتها التي دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها عبر تاريخها الحديث.

إن أخطر ما في الخطاب العنصري أنه يحاول أن يتخفى خلف شعارات الوطنية أو الثقافة أو التاريخ، بينما يقوم في جوهره على احتقار الآخرين والنظر إليهم من موقع التفوق الوهمي. وحين تتحول الأوصاف المهينة إلى وسيلة للنقاش العام، فإن المشكلة لا تكون في الضحايا الذين تستهدفهم تلك العبارات، بل في العقلية التي ما تزال عاجزة عن فهم أن السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات والهويات، وأن هذا التنوع مصدر قوة لا مبررًا للإقصاء.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الأمم لا تتقدم بالاستعلاء العرقي ولا بالتمييز الجهوي، وإنما بالتنافس في ميادين العلم والمعرفة والإنتاج. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا يحددها لونه ولا قبيلته ولا المنطقة التي ولد فيها، وإنما يحددها عطاؤه وإسهامه في خدمة مجتمعه ووطنه.

ومن المؤسف أن بعض الخطابات ما تزال تستدعي مفردات قديمة ارتبطت بالإهانة والتصنيف العنصري فمفردة الجنقو هي كلمة ذات دلالات عنصرية بغيضة جدا  ، وكأن السودان لم يتعلم شيئًا من الحروب والصراعات التي غذتها سياسات التمييز والتهميش. إن استخدام مثل هذه اللغة لا يكشف ضعف المستهدفين بها، بل يكشف أزمة فكرية وأخلاقية لدى من يرددها، لأن الإنسان الواثق من حجته لا يحتاج إلى إهانة الآخرين لإثبات رأيه.

إن دارفور، كما كل أقاليم السودان، ليست هامشًا في التاريخ ولا طارئًا على الجغرافيا الوطنية. فقد أسهمت في صناعة الدولة السودانية وفي إثراء ثقافتها وتراثها السياسي والاجتماعي، وقدمت قادة وعلماء ومفكرين ومبدعين تركوا بصماتهم في مختلف المجالات. كما أن أبناءها، شأنهم شأن أبناء بقية الأقاليم، انتشروا في أنحاء العالم وأثبتوا حضورهم في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية والمجتمعات التي استقبلتهم.

ولذلك فإن أي محاولة لانتقاص كرامة الناس على أساس أصولهم أو مناطقهم ليست إساءة لفئة بعينها فحسب، بل إساءة لفكرة السودان نفسه. فالوطن الذي يتسع للجميع لا يمكن أن يُبنى على خطاب الكراهية، ولا يمكن أن يستقر إذا ظل بعض أبنائه ينظرون إلى الآخرين بعين الاستعلاء.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين منطقة وأخرى، ولا بين قبيلة وأخرى، بل بين ثقافة المواطنة وثقافة العنصرية، بين مشروع يؤمن بالمساواة والعدالة، ومشروع يصر على إعادة إنتاج الانقسامات القديمة التي أرهقت البلاد وأعاقت نهضتها.

وسيظل السودان بحاجة إلى خطاب جديد يؤسس للاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع، لأن المستقبل لا يصنعه دعاة الكراهية، وإنما يصنعه أولئك الذين يؤمنون بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن الوطن لا يكون وطنًا إلا عندما يشعر جميع أبنائه بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات والاحترام.

فالعنصرية، مهما ارتفع صوتها، تبقى علامة ضعف، أما احترام الآخر فهو عنوان القوة والثقة بالنفس ورقي المجتمعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!